فهرس الكتاب

الصفحة 2019 من 3341

لما أجابوه بجواب المقلدين لآبائهم قال لهم: رقوا أمر تقليدكم هذا إلى أقصى غاياته وهي عبادة الأقدمين الأوّلين من آبائكم ، فإن التقدّم والأوّلية لا يكون برهانًا على الصحة ، والباطل لا ينقلب حقًا بالقدم ، وما عبادة من عبد هذه الأصنام إلا عبادة أعداء له ، ومعنى العداوة قوله تعالى: { كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بعبادتهم وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا } [ مريم: 82 ] ولأنّ المغري على عبادتها أعدى أعداء الإنسان وهو الشيطان ، وإنما قال: { عَدُوٌّ لِى } تصويرًا للمسألة في نفسه ، على معنى: أني فكرت في أمرى فرأيت عبادتي لها عبادة للعدوّ ، فاجتنبتها وآثرت عبادة من الخير كله منه ، وأراهم بذلك أنها نصيحة نصح بها نفسه أوّلًا وبني عليها تدبير أمره ، لينظروا فيقولوا: ما نصحنا إبراهيم إلا بما نصح به نفسه ، وما أراد لنا إلا ما أراد لروحه ، ليكون ادعى لهم إلى القبول ، وأبعث على الاستماع منه . ولو قال: فإنه عدوّ لكم لم يكن بتلك المثابة ، ولأنّه دخل في باب من التعريض ، وقد يبلغ التعريض للنصوح ما لا يبلغه التصريح؛ لأنه يتأمّل فيه ، فربما قاده التأمّل إلى التقبل . ومنه ما يحكى عن الشافعيّ رضي الله تعالى عنه أنّ رجلًا واجهه بشيء فقال: لو كنت بحيث أنت ، لاحتجت إلى أدب ، وسمع رجل ناسًا يتحدثون في الحجر فقال: ما هو ببيتي ولا بيتكم . والعدوّ والصديق: يجيئان في معنى الوحدة والجماعة . قال:

وَقَوْمٍ عَلَيَّ ذَوِي مِرَّةٍ ... أَرَاهُمْ عَدُوًّا وَكَانُوا صَدِيقَا

ومنه قوله تعالى: { وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ } [ الكهف: 50 ] شبها بالمصادر للموازنة ، كالقبول والولوع ، والحنين والصهيل { إِلاَّ رَبَّ العالمين } استثناء منقطع ، كأنه قال: ولكن رب العالمين { فَهُوَ يَهْدِينِ } يريد أنه حين أتمّ خلقه ونفخ فيه الروح ، عقب ذلك هدايته المتصلة التي لا تنقطع إلى كلّ ما يصلحه ويعنيه ، وإلا فمن هداه إلى أن يغتذي بالدم في البطن امتصاصًا ، ومن هداه إلى معرفة الثدي عند الولادة ، وإلى معرفة مكانه ، ومن هداه لكيفية الارتضاع ، إلى غير ذلك من هدايات المعاش والمعاد ، وإنما قال: { مَرِضْتُ } دون «أمرضني» لأنّ كثيرًا من أسباب المرض يحدث بتفريط من الإنسان في مطاعمه ومشاربه وغير ذلك . ومن ثم قالت الحكماء: لو قيل لأكثر الموتى: ما سبب آجالكم؟ لقالوا: التخم . وقرىء: «خطاياي» ، والمراد: ما يندر منه من بعض الصغائر؛ لأنّ الأنبياء معصومون مختارون على العالمين . وقيل: هي قوله: { إِنّى سَقِيمٌ } [ الصافات: 89 ] وقوله: { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ } [ الأنبياء: 63 ] وقوله لسارّة: هي أختي . وما هي إلا معاريض كلام ، وتخييلات للكفرة ، وليست بخطايا يطلب لها الاستغفار . فإن قلت: إذا لم يندر منهم إلا الصغائر وهي تقع مكفرة ، فما له أثبت لنفسه خطيئة أو خطايا وطمع أن تغفر له؟ قلت: الجواب ما سبق لي: أن استغفار الأنبياء تواضع منهم لربهم ، وهضم لأنفسهم ، ويدل عليه قوله: { أَطْمَعُ } ولم يجزم القول بالمغفرة . وفيه تعليم لأممهم ، وليكون لطفًا لهم في اجتناب المعاصي والحذر منها ، وطلب المغفرة مما يفرط منهم . فإن قلت: لم علق مغفرة الخطيئة بيوم الدين ، وإنما تغفر في الدنيا؟ قلت: لأنّ أثرها يتبين يومئذٍ وهو الآن خفي لا يعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت