{ مَا كَانَ لِبَشَرٍ } تكذيب لمن اعتقد عبادة عيسى . وقيل:
( 176 ) "إنّ أبا رافع القرظي والسيد من نصارى نجران قالا لرسول الله A: أتريد أن نعبدك ونتخذك ربا؟ فقال معاذ الله أن نعبد غير الله ، أو أن نأمر بعبادة غير الله فما بذلك بعثني ، ولا بذلك أمرني فنزلت"وقيل:
( 177 ) قال رجل: يا رسول الله ، نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك؟ قال: لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله ، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله ) { والحكم } والحكمة وهي السنة { ولكن كُونُواْ ربانيين } ولكن يقول كونوا . والربانيّ: منسوب إلى الرب بزيادة الألف والنون؛ كما يقال: رقباني ولحياني ، وهو الشديد التمسك بدين الله وطاعته . وعن محمد ابن الحنفية: أنه قال حين مات ابن عباس: اليوم مات ربانيّ هذه الأمّة . وعن الحسن: ربانيين علماء فقهاء . وقيل: علماء معلمين . وكانوا يقولون: الشارع الرباني: العالم العامل المعلم { بِمَا كُنتُمْ } بسبب كونكم عالمين وبسبب كونكم دارسين للعلم أوجب أن تكون الربانية التي هي قوّة التمسك بطاعة الله مسببة عن العلم والدراسة ، وكفى به دليلًا على خيبة سعي من جهد نفسه وكدّ روحه في جمع العلم ، ثم لم يجعله ذريعة إلى العمل ، فكان مثله مثل من غرس شجرة حسناء تونقه بمنظرها ولا تنفعه بثمرها: وقرىء «تعلمون» ، من التعليم . «وتعلمون» من التعلم { تَدْرُسُونَ } تقرؤن . وقرىء «تدرسون» ، من التدريس . وتدرسون على أن أدرس بمعنى درّس كأكرم وكرّم وأنزل ونزَّل . «وتدرّسون» ، من التدرّس . ويجوز أن يكون معناه ومعنى تدرسون بالتخفيف: تدرسونه على الناس كقوله: { لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس } [ الإسراء: 106 ] فيكون معناهما معنى تدرسون من التدريس . وفيه أن من علم ودرس العلم ولم يعمل به فليس من الله في شيء ، وأن السبب بينه وبين ربه منقطع ، حيث لم يثبت النسبة إليه إلا للمتمسكين بطاعته . وقرىء «ولا يأمرَكم» بالنصب عطفًا على { ثُمَّ يَقُولَ } وفيه وجهان أحدهما أن تجعل «لا» مزيدة لتأكيد معنى النفي في قوله: { مَا كَانَ لِبَشَرٍ } والمعنى: ما كان لبشر أن يستنبئه الله وينصبه للدعاء إلى اختصاص الله بالعبادة وترك الأنداد ، ثم يأمر الناس بأن يكونوا عبادًا له ويأمركم { أَن تَتَّخِذُواْ الملائكة والنبيين أَرْبَابًا } كما تقول: ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ولا يستخف بي . والثاني أن تجعل «لا» غير مزيدة . والمعنى: أن رسول الله A كان ينهى قريشًا عن عبادة الملائكة ، واليهود والنصارى عن عبادة عزير والمسيح . فلما قالوا له: أنتخذك ربًا؟ قيل لهم: ما كان لبشر أن يستنبئه الله ، ثم يأمر الناس بعبادته وينهاكم عن عبادة الملائكة والأنبياء . والقراءة بالرفع على ابتداء الكلام أظهر ، وتنصرها قراءة عبد الله «ولن يأمركم» . والضمير في { وَلاَ يَأْمُرَكُمْ } و { أَيَأْمُرُكُم } لبشر . وقيل الله ، والهمزة في أيأمركم للإنكار { بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ } دليل على أن المخاطبين كانوا مسلمين ، وهم الذين أستأذنوه أن يسجدوا له .