فهرس الكتاب

الصفحة 2390 من 3341

{ بواحدة } بخصلة واحدة ، وقد فسرها بقوله: { أَن تَقُومُواْ } على أنه عطف بيان بها ، وأراد بقيامهم: إما القيام على مجلس رسول الله A وتفرّقهم عن مجتمعهم عنده وإما القيام الذي لا يراد به المثول على القدمين ، ولكن الانتصاب في الأمر والنهوض فيه بالهمة والمعنى: إنما أعظكم بواحدة إن فعلتموها أصبتم الحق وتخلصتم ، وهي: أن تقوموا لوجه الله خالصًا . متفرّقين اثنين اثنين ، وواحدًا واحدًا { ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ } في أمر محمد A وما جاء به . أمّا الاثنان: فيتفكران ويعرض كلّ واحد منهما محصول فكره على صاحبه وينظران فيه متصادقين متناصفين ، لا يميل بهما اتباع هوى ولا ينبض لهما عرق عصبية ، حتى يهجم بهما الفكر الصالح والنظر على جادة الحق وسننه ، وكذلك الفرد: يفكر في نفسه بعدل ونصفة من غير أن يكابرها ويعرض فكره على عقله وذهنه وما استقر عنده من عادات العقلاء ومجاري أحوالهم ، والذي أوجب تفرّقهم مثنى وفرادى: أنّ الاجتماع مما يشوش الخواطر ، ويعمي البصائر ، ويمنع من الروية ، ويخلط القول؛ ومع ذلك يقل الإنصاف ، ويكثر الاعتساف ، ويثور عجاج التعصب ، ولا يسمع إلاّ نصرة المذهب ، وأراهم بقوله: { مَا بصاحبكم مّن جِنَّةٍ } أن هذا الأمر عظيم الذي تحته ملك الدنيا والآخرة جميعًا ، لا يتصدّى لادعاء مثله إلاّ رجلان: إمّا مجنون لا يبالي بافتضاحه إذا طولب بالبرهان فعجز ، بل لا يدري ما الافتضاح وما رقبة العواقب . وإمّا عاقل راجح العقل مرشح للنبوّة ، مختار من أهل الدنيا ، لا يدعيه إلا بعد صحته عنده بحجته وبرهانه ، وإلا فما يجدي على العاقل دعوى شيء لا بينة له عليه ، وقد علمتم أنّ محمدًا A ما به من جنة ، بل علمتموه أرجح قريش عقلًا ، وأرزنهم حلمًا وأثقبهم ذهنًا وآصلهم رأيًا ، وأصدقهم قولًا ، وأنزههم نفسًا ، وأجمعهم لما يحمد عليه الرجال ويمدحون به؛ فكان مظنّة لأن تظنوا به الخير ، وترجحوا فيه جانب الصدق على الكذب؛ وإذا فعلتم ذلك كفاكم أن تطالبوه بأن يأتيكم بآية ، فإذا أتى بها تبين أنه نذير مبين . فإن قلت: { مَا بصاحبكم } بم يتعلق؟ قلت: يجوز أن يكون كلامًا مستأنفًا تنبيهًا من الله عزّ وجلّ على طريقة النظر في أمر رسول الله A . ويجوز أن يكون المعنى: ثم تتفكروا فتعلموا ما بصاحبكم من جنة ، وقد جوّز بعضهم أن تكون ما استفهامية { بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } كقوله E:

( 914 ) « بعثت في نسم الساعة » .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت