يقال: ردأته: أعنته . والردء: اسم ما يعان به ، فعل بمعنى مفعول كما أن الدفء اسم لما يدفأ به . قال سلامة بن جندل:
وَرِدْئي كُلُّ أبْيَضَ مَشْرَفِيٍّ ... شَحِيذِ الْحَدِّ عَضْبٍ ذِي فُلُولِ
وقرىء: «ردًا» على التخفيف ، كما قرىء «الخب» { رِدْءًا يُصَدّقُنِى } بالرفع والجزم صفة وجواب ، ونحو { وَلِيًّا يَرِثُنِى } سواء . فإن قلت: تصديق أخيه ما الفائدة فيه؟ قلت: ليس الغرض بتصديقه أن يقول له: صدقت ، أو يقول للناس: صدق موسى ، وإنما هو أن يلخص بلسانه الحق ، ويبسط القول فيه ، ويجادل به الكفار ، كما يفعل الرجل المنطيق ذو العارضة ، فذلك جار مجرى التصديق المفيد ، كما يصدّق القول بالبرهان . ألا ترى إلى قوله: «وَأَخِى هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنّى لِسَانًا فَأَرْسِلْهِ مَعِىَ » ، وفضل الفصاحة إنما يحتاج إليه لذلك ، لا لقوله: صدقت ، فإنّ سحبان وباقلا يستويان فيه ، أو يصل جناح كلامه بالبيان ، حتى يصدّقه الذي يخاف تكذيبه ، فأسند التصديق إلى هرون ، لأنه السبب فيه إسنادًا مجازيًا . ومعنى الإسناد المجازي: أن التصديق حقيقة في المصدّق ، فإسناده إليه حقيقة وليس في السبب تصديق ، ولكن استعير له الإسناد لأنه لابس التصديق بالتسبب كما لابسه الفاعل بالمباشرة . والدليل على هذا الوجه قوله: { إِنّى أَخَافُ أَن يُكَذّبُونِ } وقراءة من قرأ: «ردءا يصدقوني» . وفيها تقوية للقراءة بجزم يصدقني .