{ كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ } على الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم . قال عليّ Bه: أوّلهم آدم ، يعني أنّ الصوم عبادة قديمة أصلية ما أخلى الله أمّة من افتراضها عليهم ، لم يفرضها عليكم وحدكم { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } بالمحافظة عليها وتعظيمها لأصالتها وقدمها ، أو لعلكم تتقون المعاصي ، لأنّ الصائم أظلف لنفسه وأردع لها من مواقعة السوء . قال عليه السلام:
( 88 ) "فعليه بالصوم فإنّ الصوم له وجاء"أو لعلكم تنتظمون في زمرة المتقين ، لأنّ الصوم شعارهم . وقيل معناه: أنه كصومهم في عدد الأيام وهو شهر رمضان ، كتب على أهل الإنجيل فأصابهم موتان ، فزادوا عشرًا قبله وعشرًا بعده . فجعلوه خمسين يومًا . وقيل: كان وقوعه في البرد الشديد والحرّ الشديد ، فشقّ عليهم في أسفارهم ومعايشهم فجعلوه بين الشتاء والربيع ، وزادوا عشرين يومًا كفارة لتحويله عن وقته . وقيل: الأيام المعدودات: عاشوراء ، وثلاثة أيام من كل شهر . كتب على رسول الله A صيامها حين هاجر . ثم نسخت بشهر رمضان . وقيل: كتب عليكم كما كتب عليهم أن يتقوا المفطر بعد أن يصلوا العشاء وبعد أن يناموا ، ثم نسخ ذلك بقوله: { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام } الآية [ البقرة: 87 ] . ومعنى { معدودات } موقتات بعدد معلوم . أو قلائل ، كقوله: { دراهم مَعْدُودَةٍ } [ يوسف: 20 ] وأصله أنّ المال القليل يقدّر بالعدد ويتحكر فيه . والكثير يهال هيلًا ويحثى حثيًا . وانتصاب أيامًا بالصيام كقولك: نويت الخروج يوم الجمعة { أَوْ على سَفَرٍ } أو راكب سفر { فَعِدَّةٌ } فعليه عدّة . وقرىء بالنصب بمعنى: فليصم عدّة وهذا على سبيل الرخصة . وقيل: مكتوب عليهما أن يفطرا ويصوما عدّة { مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } واختلف في المرض المبيح للإفطار ، فمن قائل: كل مرض ، لأنّ الله تعالى لم يخص مرضًا دون مرض كما لم يخص سفرًا دون سفر ، فكما أنّ لكل مسافر أن يفطر ، فكذلك كل مريض . وعن ابن سيرين أنه دخل عليه في رمضان وهو يأكل فاعتلّ بوجع أصبعه . وسئل مالك عن الرجل يصيبه الرمد الشديد أو الصداع المضر وليس به مرض يضجعه ، فقال: إنه في سعة من الإفطار . وقائل: هو المرض الذي يعسر معه الصوم ويزيد فيه ، لقوله تعالى: { يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر } وعن الشافعي: لا يفطر حتى يجهده الجهد غير المحتمل . واختلف أيضًا في القضاء فعامّة العلماء على التخيير . وعن أبي عبيدة بن الجرّاح Bه: «إنّ الله لم يرخص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه ، إن شئت فواتر ، وإن شئت ففرّق» وعن عليّ وابن عمر والشعبي وغيرهم أنه يقضي كما فات متتابعًا . وفي قراءة أبيّ: «فعدّة من أيام أخر متتابعات» فإن قلت: فكيف قيل: { فَعِدَّةٌ } على التنكير ولم يقل: فعدّتها ، أي فعدّة الأيام المعدودات؟ قلت: لما قيل: فعدّة والعدّة بمعنى المعدود فأمر بأن يصوم أيامًا معدودة مكانها ، علم أنه لا يؤثر عدد على عددها ، فأغنى ذلك عن التعريف بالإضافة { وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ } وعلى المطيقين للصيام الذين لا عذر بهم إن أفطروا { فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } نصف صاع من برّ أو صاع من غيره عند أهل العراق ، وعند أهل الحجاز مدّ ، وكان ذلك في بدء الإسلام: فرض عليهم الصوم ولم يتعوّدوه فاشتدّ عليهم ، فرخص لهم في الإفطار والفدية . وقرأ ابن عباس: «يطوّقونه» ، تفعيل من الطوق إما بمعنى الطاقة أو القلادة ، أي يكلفونه أو يقلدونه ويقال لهم صوموا . وعنه «يتطوّقونه» بمعنى يتكلفونه أو يتقلدونه . «ويطوقونه» بإدغام التاء في الطاء . «ويطيقونه» «ويطيقونه» بمعنى يتطوقونه ، وأصلهما يطيوقونه ويتطيوقونه ، على أنهما من فيعل وتفعيل من الطوق ، فأدغمت الياء في الواو بعد قلبها ياء كقولهم: تدير المكان وما بها ديَّار . وفيه وجهان: أحدهما نحو معنى يطيقونه . والثاني يكلفونه أو يتكلفونه على جهد منهم وعسر وهم الشيوخ والعجائز ، وحكم هؤلاء الإفطار والفدية . وهو على هذا الوجه ثابت غير منسوخ . ويجوز أن يكون هذا معنى يطيقونه ، أي يصومونه جهدهم وطاقتهم ومبلغ وسعهم { فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا } فزاد على مقدار الفدية { فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ } فالتطوع أخير له أو الخير . وقرىء «فمن يطوّع» ، بمعنى يتطوّع { وَأَن تَصُومُواْ } أيها المطيقون أو المطوقون وحملتم على أنفسكم وجهدتم طاقتكم { خَيْرٌ لَّكُمْ } من الفدية وتطوع الخير . ويجوز أن ينتظم في الخطاب المريض والمسافر أيضًا . وفي قراءة أبيّ: «والصيام خير لكم» .