فهرس الكتاب

الصفحة 2447 من 3341

كانوا يقولون لرسول الله A: شاعر ، وروى أنّ القائل: عقبة بن أبي معيط ، فقيل: { وَمَا علمناه الشعر } أي: وما علمناه بتعليم القرآن الشعر ، على معنى: أنّ القرآن ليس بشعر وما هو من الشعر في شيء . وأين هو عن الشعر ، والشعر إنما هو كلام موزون مقفى ، يدل على معنى ، فأين الوزن؟ وأين التقفية؟ وأين المعاني التي ينتحيها الشعراء عن معانيه؟ وأين نظم كلامهم من نظمه وأساليبه؟ فإذًا لا مناسبة بينه وبين الشعر إذا حققت ، اللهمّ إلا أنّ هذا لفظه عربي ، كما أنّ ذاك كذلك { وَمَا يَنبَغِى لَهُ } وما يصح له ولا يتطلب لو طلبه ، أي: جعلناه بحيث لو أراد قرض الشعر لم يتأت له ولم يتسهل ، كما جعلناه أمّيًا لا يتهدّى للخط ولا يحسنه ، لتكون الحجة أثبت والشبهة أدحض . وعن الخليل: كان الشعر أحب إلى رسول الله A من كثير من الكلام ، ولكن كان لا يتأتى له . فإن قلت:

( 939 ) فقوله:"أَنَا النَّبيُّ لاَ كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ"( ( 940 وقوله:"هَلْ أَنْتَ إلاَّ أُصْبُعٌ دَمِيتِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ"قلت: ما هو إلا كلام من جنس كلامه الذي كان يرمي به على السليقة ، من غير صنعة ولا تكلف ، إلا أنه اتفق ذلك من غير قصد إلى ذلك ولا التفات منه إليه إن جاء موزونًا ، كما يتفق في كثير من إنشاءات الناس في خطبهم ورسائلهم ومحاوراتهم أشياء موزونة لا يسميها أحد شعرًا ولا يخطر ببال المتكلم ولا السامع أنها شعر ، وإذا فتشت في كل كلام عن نحو ذلك وجدت الواقع في أوزان البحور غير عزيز ، على أن الخليل ما كان يعدّ المشطور من الرجز شعرًا ، ولما نفى أن يكون القرآن من جنس الشعر قال: { إنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُّبِينٌ } يعني: ما هو إلا ذكر من الله تعالى يوعظ به الإنس والجنّ ، كما قال: { إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ للعالمين } [ التكوير: 27 ] وما هو إلا قرآن كتاب سماوي ، يقرأ في المحاريب ، ويتلى في المتعبدات ، وينال بتلاوته والعمل بما فيه فوز الدارين ، فكم بينه وبين الشعر الذي هو من همزات الشياطين؟ { لّيُنذِرَ } القرآن أو الرسول وقرىء: «لتنذر» بالتاء . ولينذر: من نذر به إذا علمه { مَن كَانَ حَيًّا } أي عاقلًا متأملًا ، لأن الغافل كالميت . أو معلومًا منه أنه يؤمن فيحيا بالإيمان { وَيَحِقَّ القول } وتجب كلمة العذاب { عَلَى الكافرين } الذي لا يتأملون ولا يتوقع منهم الإيمان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت