{ لَن تَنَالُواْ البر } لن تبلغوا حقيقة البرّ ، ولن تكونوا أبرارًا . وقيل: لن تنالوا بر الله وهو ثوابه { حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } حتى تكون نفقتكم من أموالكم التي تحبونها . وتؤثرونها كقوله: { أَنفِقُواْ مِن طيبات مَا كَسَبْتُمْ } [ البقرة: 267 ] وكان السلف رحمهم الله إذا أحبوا شيئًا جعلوه لله . وروي:
( 179 ) أنها لما نزلت جاء أبو طلحة فقال: يا رسول الله . إن أحبّ أموالي إليّ بيرحاء فضعها يا رسول الله حيث أراك الله . فقال رسول الله A"بخ بخ ذاك مال رابح أو مال رائح وإني أرى أن تجعلها في الأقربين"فقال أبو طلحة: افعلِ يا رسول الله فقسمها في أقاربه .
( 180 ) وجاء زيد ابن حارثة بفرس له كان يحبها فقال: هذه في سبيل الله ، فحمل عليها رسول الله أسامة بن زيد ، فكأنّ زيدًا وجد في نفسه وقال: إنما أردت أن أتصدق به . فقال رسول الله A:"أما إن الله تعالى قد قبلها منك". وكتب عمر Bه إلى أبي موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من سبي جلولاء يوم فتحت مدائن كسرى ، فلما جاءت أعجبته فقال: إن الله تعالى يقول: { لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } فأعتقها . ونزل بأبي ذرّ ضيف فقال للراعي ائتني بخير إبلي فجاء بناقة مهزولة . فقال: خنتني ، قال: وجدت خير الإبل فحلها ، فذكرت يوم حاجتكم إليه فقال: إنّ يوم حاجتي إليه ليوم أوضع في حفرتي . وقرأ عبد الله: «حتى تنفقوا بعض ما تحبون» . وهذا دليل على أنّ «من» في { مِمَّا تُحِبُّونَ } للتبعيض . ونحوه: أخذت من المال . ومن في { مِن شَىْءٍ } لتبيين ما تنفقوا ، أي من أي شيء كان طيبًا تحبونه أو خبيثًا تكرهونه { فَإِنَّ الله } عليم بكل شيء تنفقونه فمجازيكم بحسبه .