فهرس الكتاب

الصفحة 229 من 3341

{ أَلَمْ تَرَ } تعجيب من محاجة نمروذ في الله وكفره به { أَنْ آتاه الله الملك } متعلق بحاجَّ على وجهين:

أحدهما حاجّ لأن آتاه الله الملك ، على معنى أن إيتاء الملك أبطره وأورثه الكبر والعتوَّ فحاجّ لذلك ، أو على أنه وضع المحاجة في ربه موضع ما وجب عليه من الشكر على أن آتاه الله الملك ، فكأن المحاجة كانت لذلك ، كما تقول: عاداني فلان لأني أحسنت إليه ، تريد أنه عكس ما كان يجب عليه من الموالاة لأجل الإحسان . ونحوه قوله تعالى: { وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ } [ الواقعة: 82 ] .

والثاني: حاجّ وقت أن آتاه الله الملك . فإن قلت: كيف جاز أن يؤتي الله الملك الكافر؟ قلت: فيه قولان: آتاه ما غلب به وتسلط من المال والخدم والأتباع ، وأما التغليب والتسليط فلا . وقيل: ملكه امتحانًا لعباده . و { إِذْ قَالَ } نصب بحاج أو بدل من آتاه إذ جعل بمعنى الوقت { أَنَاْ أُحْىِ وَأُمِيتُ } يريد أعفو عن القتل وأقتل . وكان الاعتراض عتيدًا ولكن إبراهيم لما سمع جوابه الأحمق لم يحاجه فيه ، ولكن انتقل إلى ما لا يقدر فيه على نحو ذلك الجواب ليبهته أول شيء . وهذا دليل على جواز الانتقال للمجادل من حجة إلى حجة . وقريء: «فبهت الذي كفر» أي فغلب إبراهيم الكافر . وقرأ أبو حيوة: «فبهت» ، بوزن قرب . وقيل: كانت هذه المحاجة حين كسر الأصنام وسجنه نمروذ ، ثم أخرجه من السجن ليحرقه فقال له: من ربك الذي تدعو إليه؟ فقال: ربي الذي يحيي ويميت . { أَوْ كالذى } معناه . أو أرأيت مثل الذي مرَّ فحذف لدلالة { أَلَمْ تَرَ } عليه؛ لأنّ كلتيهما كلمة تعجيب . ويجوز أن يحمل على المعنى دون اللفظ ، كأنه قيل: أرأيت كالذي حاج إبراهيم أو كالذي مرّ على قرية . والمارّ كان كافرًا بالبعث ، وهو الظاهر لانتظامه مع نمروذ في سلك ولكلمة الاستبعاد التي هي: ( أنى يُحْيىِ ) . وقيل: هو عزير أو الخضر ، أراد أن يعاين إحياء الموتى ليزداد بصيرة كما طلبه إبراهيم عليه السلام . وقوله: { أَنَّى يُحْىِ } اعتراف بالعجز عن معرفة طريقة الإحياء ، واستعظام لقدرة المحيي . والقرية: بيت المقدس حين خربه بختنصر . وقيل: هي التي خرج منها الألوف { وَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا } تفسيره فيما بعد { يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } بناء على الظن . روي أنه مات ضحى وبعث بعد مائة سنة قبل غيبوبة الشمس ، فقال قبل النظر إلى الشمس: يومًا ، ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال: أو بعض يوم . وروي: أن طعامه كان تينًا وعنبًا . وشرابه عصيرًا أو لبنًا ، فوجد التين والعنب كما جنيا ، والشراب على حاله { لَمْ يَتَسَنَّهْ } لم يتغير ، والهاء أصلية أو هاء سكت . واشتقاقه من السنة على الوجهين ، لأن لامها هاء أو واو ، وذلك أن الشيء يتغير بمرور الزمان . وقيل: أصله يتسنن ، من الحمأ المسنون ، فقلبت نونه حرف علة ، كتقضي البازي . ويجوز أن يكون معنى { لَمْ يَتَسَنَّهْ } لم تمرّ عليه السنون التي مرت عليه ، يعني هو بحاله كما كان كأنه لم يلبث مائة سنة . وفي قراءة عبد الله: «فانظر إلى طعامك وهذا شرابك لم يتسن» . وقرأ أبيّ: «لم يسَّنه» ، بإدغام التاء في السين { وانظر إلى حِمَارِكَ } كيف تفرّقت عظامه ونخرت ، وكان له حمار قد ربطه . ويجوز أن يراد: وانظر إليه سالمًا في مكانه كما ربطته ، وذلك من أعظم الآيات أن يعيشه مائة عام من غير علف ولا ماء ، كما حفظ طعامه وشرابه من التغير { وَلِنَجْعَلَكَ ءايَةً لِلنَّاسِ } فعلنا ذلك يريد إحياءه بعد الموت وحفظ ما معه ، وقيل: أتى قومه راكب حماره وقال: أنا عزير ، فكذبوه ، فقال: هاتوا التوراة فأخذ يهذها هذًا عن ظهر قلبه وهم ينظرون في الكتاب ، فما خرم حرفًا ، فقالوا: هو ابن الله . ولم يقرأ التوراة ظاهرًا أحد قبل عزير ، فذلك كونه آية . وقيل: رجع إلى منزله فرأى أولاده شيوخًا وهو شاب ، فإذا حدّثهم بحديث قالوا: حديث مائة سنة { وانظر إِلَى العظام } هي عظام الحمار أو عظام الموتى الذين تعجب من إحيائهم { كَيْفَ نُنشِزُهَا } كيف نحييها . وقرأ الحسن: «ننشرها» ، من نشر الله الموتى ، بمعنى: أنشرهم فنشروا ، وقريء بالزاي ، بمعنى نحرّكها ونرفع بعضها إلى بعض للتركيب . وفاعل ( تَّبَيَّنَ ) مضمر تقديره: فلما تبين له أن الله على كل شيء قدير { قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ الله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } فحذف الأول لدلالة الثاني عليه ، كما في قولهم: ضربني وضربت زيدًا . ويجوز: فلما تبين له ما أشكل عليه ، يعني أمر إحياء الموتى . وقرأ ابن عباس Bهما: «فلما تبين له» على البناء للمفعول . وقرىء: «قال اعلم» ، على لفظ الأمر: وقرأ عبد الله: «قيل اعلم» . فإن قلت: فإن كان المارّ كافرًا فكيف يسوغ أن يكلمه الله؟ قلت: كان الكلام بعد البعث ولم يكن إذ ذاك كافرًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت