فهرس الكتاب

الصفحة 857 من 3341

{ فُرْقَانًا } نصرًا؛ لأنه يفرق بين الحق والباطل وبين الكفر بإذلال حزبه ، والإسلام بإعزاز أهله . ومنه قوله تعالى: { يَوْمَ الفرقان } [ الأنفال: 41 ] أو بيانًا وظهورًا يشهر أمركم ويبث صيتكم وآثاركم في أقطار الأرض ، من قولهم: «بتّ أفعل كذا» حتى سطع الفرقان: أي طلع الفجر . أو مخرجًا من الشبهات وتوفيقًا وشرحًا للصدور . أو تفرقة بينكم وبين غيركم من أهل الأديان ، وفضلًا ومزية في الدنيا والآخرة . { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله والله خَيْرُ الماكرين } لما فتح الله عليه ، ذكره مكر قريش به حين كان بمكة ، ليشكر نعمة الله D في نجاته من مكرهم واستيلائه عليهم وما أتاح الله له من حسن العاقبة ، والمعنى: واذكرإذ يمكرون بك وذلك

[ 422 ] أن قريشًا - لما أسلمت الأنصار وبايعوه - فرِقوا أن يتفاقم أمره ، فاجتمعوا في دار الندوى متشاورين في أمره ، فدخل عليهم إبليس في صورة شيخ وقال: أنا شيخ من نجد ، ما أنا من تهامة دخلت مكة فسمعت باجتماعكم ، فأردت أن أحضركم ولن تعدموا غير كوّة تلقون إليه طعامه وشرابه منها؛ وتتربصوا به ريب المنون . فقال إبليس: بئس الرأي؛ يأتيكم من يقاتلكم من قومه ويخلصه من أيديكم . فقال هشام بن عمرو: رأيي أن تحملوه على جمل وتخرجوه من بين أظهركم؛ فلا يضركم ما صنع واسترحتم . فقال إبليس: بئس الرأي يفسد قوما غيركم ويقاتلكم بهم . فقال أبو جهل: أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاما وتعطوه سيفا صارما ، فيضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل ، فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم ، فإذا طلبوا العقل عقلناهم واسترحنا . فقال الشيخ - لعنه الله -: صدق هذا الفتى ، هو أجودكم رأيا . فتفرقوا على رأي أبي جهل مجتمعين على قتله . فأخبر جبريل عليه السلام رسول الله A وأمره أن لا يبيت في مضجعه ، وأذن الله له في الهجرة ، فأمر عليًا Bه فنام في مضجعه ، وقال له: اتّشح ببردتي ، فإنه لن يخلص إليك أمر تكرهه ، وباتوا مترصدين ، فلما أصبحوا ثاروا إلى مضجعه ، فأبصروا عليًا فبهتوا وخيب الله D سعيهم ، واقتصوا أثره فأبطل الله مكرهم { ليثبتوك } ليسجنوك أو يوثقوك أو يثخنوك بالضرب والجرح ، من قولهم: ضربوه حتى أثبتوه لا حراك به ولا براح ، وفلان مثبت وجعًا . وقرىء: ( ليثبتوك ) ، بالتشديد . وقرأ النخعي: ( ليثبتوك ) ، ومن البيات . وعن ابن عباس: ( ليقيدوك ) ، وهو دليل لمن فسره بالإيثاق { وَيَمْكُرُونَ } ويخفون المكايد له { وَيَمْكُرُ الله } ويخفي الله ما أعد لهم حتى يأتيهم بغتة { والله خَيْرُ الماكرين } أي مكره أنفذ من مكر غيره وأبلغ تأثيرًا ، أو لأنه لا ينزل إلا ما هو حق وعدل ولا يصيب إلا بما هو مستوجب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت