فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 3341

من عادته D في كتابه أن يذكر الترغيب مع الترهيب ، ويشفع البشارة بالإنذار إرادة التنشيط ، لاكتساب ما يزلف ، والتثبيط عن اقتراف ما يتلف . فلما ذكر الكفار وأعمالهم وأوعدهم بالعقاب ، قفاه ببشارة عباده الذين جمعوا بين التصديق والأعمال الصالحة من فعل الطاعات وترك المعاصي ، وحموها من الإحباط بالكفر والكبائر بالثواب . فإن قلت: من المأمور بقوله تعالى: { وَبَشِّرِ } ؟ قلت: يجوز أن يكون رسول الله A ، وأن يكون كل أحد . كما قال E:

( 24 ) "بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة"لم يأمر بذلك واحدًا بعينه . وإنما كل أحد مأمور به ، وهذا الوجه أحسن وأجزل؛ لأنه يؤذن بأن الأمر لعظمه وفخامة شأنه محقوق بأن يبشر به كل من قدر على البشارة به . فإن قلت: علام عطف هذا الأمر ولم يسبق أمر ولا نهي يصح عطفه عليه؟ قلت: ليس الذي اعتمد بالعطف هو الأمر حتى يطلب له مشاكل من أمر أو نهي يعطف عليه؛ إنما المعتمد بالعطف هو جملة وصف ثواب المؤمنين ، فهي معطوفة على جمة وصف عقاب الكافرين ، كما تقول: زيد يعاقب بالقيد والإرهاق ، وبشر عمرًا بالعفو والإطلاق . ولك أن تقول: هو معطوف على قوله: ( فاتقوا ) كما تقول: يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم ، وبشر يا فلان بني أسد بإحساني إليهم . وفي قراءة زيد بن عليّ Bه: { وَبَشِّرِ } على لفظ المبنيّ للمفعول عطفًا على ( أعدت ) . والبشارة: الإخبار مما يظهر سرور المخبر به . ومن ثم قال العلماء: إذا قال لعبيده: أيكم بشرني بقدوم فلان فهو حرّ ، فبشروه فرادى ، عتق أوّلهم ، لأنه هو الذي أظهر سروره بخبره دون الباقين . ولو قال مكان «بشرني» أخبرني «عتقوا جميعًا ، لأنهم جميعًا أخبروه . ومنه: البشرة لظاهر الجلد . وتباشير الصبح: ما ظهر من أوائل ضوئه . وأما { فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ آل عمران: 21 ] فمن العكس في الكلام الذي يقصد به الاستهزاء الزائد في غيظ المستهزأ به وتألمه واغتمامه ، كما يقول الرجل لعدوّه: أبشر بقتل ذرّيتك ونهب مالك . ومنه قوله:

فَأعْتَبُوا بِالصَّيْلَم ... والصالحة نحو الحسنة في جريها مجرى الاسم

قال الحطيئة:

كيْفَ الهَجاءُ وما تَنْفَكُّ صَالِحَةٌ ... مِنْ آل لأْمٍ بظهْرِ الغَيْبِ تَأْتِينِي

والصالحات: كل ما استقام من الأعمال بدليل العقل والكتاب والسنة ، واللام للجنس . فإن قلت: أي فرق بين لام الجنس داخلة على المفرد ، وبينها داخلة على المجموع؟ قلت: إذا دخلت على المفرد كان صالحًا لأن يراد به الجنس إلى أن يحاط به ، وأن يراد به بعضه إلى الواحد منه . وإذا دخلت على المجموع ، صلح أن يراد به جميع الجنس ، وأن يراد به بعضه لا إلى الواحد منه؛ لأن وزانه في تناول الجمعية في الجنس وزان المفرد في تناول الجنسية ، والجمعية في جمل الجنس لا في وحدانه . فإن قلت: فما المراد بهذا المجموع مع اللام؟ قلت: الجملة من الأعمال الصحيحة المستقيمة في الدين على حسب حال المؤمن في مواجب التكليف .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت