فهرس الكتاب

الصفحة 3287 من 3341

فإن قلت: بم اتصل قوله { فَأَمَّا الإنسان } ؟ قلت: بقوله: { إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد } كأنه قيل: إن الله لا يريد من الإنسان إلا الطاعة والسعي للعاقبة ، وهو مرصد بالعقوبة للعاصي؛ فأما الإنسان فلا يريد ذلك ولا يهمه إلا العاجلة وما يلذه وينعمه فيها . فإن قلت: فكيف توازن قوله ، فأما الإنسان ، { إِذَا مَا ابتلاه رَبُّهُ } وقوله: { وَأَمَّا إِذَا مَا ابتلاه } وحق التوازن أن يتقابل الواقعان بعد أما وأما ، تقول: أما الإنسان فكفور ، وأما الملك فشكور . أما إذا أحسنت إلى زيد فهو محسن إليك؛ وأما إذا أسأت إليه فهو مسيء إليك؟ قلت: هما متوازنان من حيث إنّ التقدير: وأما هو إذا ما ابتلاه ربه؛ وذلك أن قوله { فَيَقُولُ رَبّى أَكْرَمَنِ } خبر المبتدأ الذي هو الإنسان ، ودخول الفاء لما في «أما» من معنى الشرط ، والظرف المتوسط بين المبتدأ والخبر في تقدير التأخير ، كأنه قيل: فأما الإنسان فقائل ربي أكرمن وقت الابتلاء ، فوجب أن يكون { فَيَقُولُ } الثاني خبر لمبتدأ واجب تقديره . فإن قلت: كيف سمي كلا الأمرين من بسط الرزق وتقديره ابتلاء؟ قلت: لأنّ كل واحد منهما اختبار للعبد ، فإذا بسط له فقد اختبر حاله أيشكر أم يكفر؟ وإذا قدر عليه فقد اختبر حاله أيصبر أم يجزع؟ فالحكمة فيهما واحدة . ونحوه قوله تعالى: { وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً } [ الأنبياء: 35 ] ، فإن قلت: هلا قال: فأهانه وقدر عليه رزقه ، كما قال فأكرمه ونعمه؟ قلت لأن البسط إكرام من الله لعبده بإنعامه عليه متفضلًا من غير سابقة ، وأما التقدير فليس بإهانة له؛ لأنّ الإخلال بالتفضل لا يكون إهانة ، ولكن تركا للكرامة ، وقد يكون المولى مكرمًا لعبده ومهينًا له ، وغير مكرم ولا مهين؛ وإذا أهدى لك زيد هدية قلت: أكرمني بالهدية ، ولا تقول: أهانني ولا أكرمني إذا لم يهد لك . فإن قلت: فقد قال: { فَأَكْرَمَهُ } فصحح إكرامه وأثبته ، ثم أنكر قوله: { رَبّى أَكْرَمَنِ } وذمّه عليه ، كما أنكر قوله: { أَهَانَنِ } وذمّه عليه . قلت: فيه جوابان ، أحدهما: أنه إنما أنكر قوله ربي أكرمن وذمّه عليه ، لأنه قال على قصد خلاف ما صححه الله عليه وأثبته ، وهو قصده إلى أنّ الله أعطاه ما أعطاه إكرامًا له مستحقًا مستوجبًا على عادة افتخارهم وجلالة أقدارهم عندهم ، كقوله: { إِنَّمَا أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عِندِى } [ القصص: 78 ] ، وإنما أعطاه الله على وجه التفضل من غير استيجاب منه له ولا سابقة ما لا يعتدّ الله إلا به ، وهو التقَّوى دون الأنساب والأحساب التي كانوا يفتخرون بها ويرون استحقاق الكرامة من أجلها . والثاني: أن ينساق الإنكار والذمّ إلى قوله: { رَبّى أَهَانَنِ } يعني أنه إذا تفضل عليه بالخير وأكرم به اعترف بتفضل الله وإكرامه ، وإذا لم يتفضل عليه سمى ترك التفضل هوانًا وليس بهوان ، ويعضد هذا الوجه ذكر الإكرام في قوله: { فَأَكْرَمَهُ } وقرىء «فقدر» بالتخفيف والتشديد وأكرمن ، وأهانن: بسكون النون في الوقف ، فيمن ترك الياء في الدرج مكتفيًا منها بالكسرة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت