فهرس الكتاب

الصفحة 378 من 3341

{ وابتلوا اليتامى } واختبروا عقولهم وذوقوا أحوالهم ومعرفتهم بالتصرف ، قبل البلوغ حتى إذا تبينتم منهم رشدًا - أي هداية - دفعتم إليهم أموالهم من غير تأخير عن حدّ البلوغ . وبلوغ النكاح . أن يحتلم لأنه يصلح للنكاح عنده ، ولطلب ما هو مقصود به وهو التوالد والتناسل . والإيناس: الاستيضاح فاستعير للتبيين . واختلف في الابتلاء والرشد ، فالابتلاء عند أبي حنيفة وأصحابه: أن يدفع إليه ما يتصرف فيه حتى يستبين حاله فيما يجيء منه . والرشد: التهدي إلى وجوه التصرف . وعن ابن عباس: الصلاح في العقل والحفظ للمال . وعند مالك والشافعي: الابتلاء أن يتتبع أحواله وتصرُّفه في الأخذ والإعطاء ، ويتبصر مخايله وميله إلى الدِّين . والرشد: الصلاح في الدين ، لأن الفسق مفسدة للمال . فإن قلت: فإن لم يؤنس منه رشد إلى حدّ البلوغ؟ قلت: عند أبي حنيفة C ينتظر إلى خمس وعشرين سنة ، لأن مدة بلوغ الذكر عنده بالسنّ ثماني عشرة سنة ، فإذا زادت عليها سبع سنين وهي مدة معتبرة في تغير أحوال الإنسان لقوله عليه الصلاة و السلام:

( 257 ) "مروهم بالصلاة لسبع"دفع إليه ماله أونس منه الرشد أو لم يؤنس . وعند أصحابه: لا يدفع إليه أبدًا إلا بإيناس الرشد . فإن قلت: ما معنى تنكير الرشد؟ قلت: معناه نوعًا من الرشد وهو الرشد في التصرف والتجارة ، أو طرفًا من الرشد ومخيلة من مخايله حتى لا ينتظر به تمام الرشد . فإن قلت: كيف نظم هذا الكلام؟ قلت: ما بعد { حتى } إلى { فادفعوا إِلَيْهِمْ أموالهم } جعل غاية للابتلاء ، وهي «حتى» التي تقع بعدها الجمل . كالتي في قوله:

فَمَا زَالَتِ الْقَتْلَى تَمُجُّ دِمَاءَهَا ... بِدِجْلَةَ حَتَّى مَاءُ دِجْلَةَ أَشْكَلُ

والجملة الواقعة بعدها جملة شرطية لأن إذا متضمنة معنى الشرط ، وفعل الشرط بلغوا النكاح وقوله: { فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فادفعوا إِلَيْهِمْ أَمْوَ الهم } جملة من شرط وجزاء واقعة جوابًا للشرط الأول الذي هو إذا بلغوا النكاح ، فكأنه قيل: وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم ، فاستحقاقهم دفع أموالهم إليهم بشرط إيناس الرشد منهم . وقرأ ابن مسعود: «فإن أحسيتم» بمعنى أحسستم قال:

أَحَسْنَ بِهِ فَهُنَّ إِلَيْه شُوسُ ... وقرىء: «رشدًا» ، بفتحتين ، «ورشدًا» ، بضمتين { إِسْرَافًا وَبِدَارًا } مسرفين ومبادرين كبرهم ، أو لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم ، تفرطون في إنفاقها ، وتقولون ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيدينا . ثم قسم الأمر بين أن يكون الوصي غنيًا وبين أن يكون فقيرًا ، فالغني يستعف من أكلها ولا يطمع ، ويقتنع بما رزقه الله من الغنى إشفاقًا على اليتيم ، وإبقاء على ماله . والفقير يأكل قوتًا مقدرًا محتاطًا في تقديره على وجه الأجرة ، أو استقراضًا على ما في ذلك من الاختلاف ولفظ الأكل بالمعروف والاستعفاف ، مما يدل على أن للوصي حقًا لقيامه عليها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت