فإن قلت: لم صحت الإشارة بذلك إلى ما ليس ببعيد؟ قلت: وقعت الإشارة إلى الم بعد ما سبق التكلم به وتقضى ، والمقضى في حكم المتباعد ، وهذا في كل كلام . يحدّث الرجل بحديث ثم يقول: وذلك ما لا شك فيه . ويحسب الحاسب ثم يقول: فذلك كذا وكذا . وقال الله تعالى: { لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذلك } [ البقرة: 68 ] . وقال: { ذلكما مِمَّا عَلَّمَنِى رَبّى } [ يوسف: 37 ] ، ولأنه لما وصل من المرسل إلى المرسل إليه ، وقع في حد البعد ، كما تقول لصاحبك وقد أعطيته شيئًا: احتفظ بذلك . وقيل معناه: ذلك الكتاب الذي وعدوا به . فإن قلت: لم ذكر اسم الإشارة والمشار إليه مؤنث وهو السورة ؟ قلت: لا أخلو من أن أجعل الكتاب خبره أو صفته . فإن جعلته خبره ، كان ذلك في معناه ومسماه مسماه ، فجاز إجراء حكمه عليه في التذكير ، كما أجرى عليه في التأنيث في قولهم: من كانت أمّك . وإن جعلته صفته ، فإنما أشير به إلى الكتاب صريحًا؛ لأنّ اسم الإشارة مشار به إلى الجنس الواقع صفة له . تقول: هند ذلك الإنسان ، أو ذلك الشخص فعل كذا . وقال الذبياني:
نُبِّئْتُ نُعْمَى على الهِجْرَانِ عاتِبةً ... سُقْيَا ورُعْيَا لِذَاكَ العاتِبِ الزَّارِي
فإن قلت: أخبرني عن تأليف { ذلك الكتاب } مع { الم } . قلت: إن جعلت { الم } اسمًا للسورة ففي التأليف وجوه: أن يكون { الم } مبتدأ ، و { ذلك } . مبتدأ ثانيًا ، و { الكتاب } خبره ، والجملة خبر المبتدأ الأوّل . ومعناه: أنّ ذلك الكتاب هو الكتاب الكامل ، كأن ما عداه من الكتب في مقابلته ناقص ، وأنه الذي يستأهل أن يسمى كتابًا ، كما تقول: هو الرجل ، أي الكامل في الرجولية ، الجامع لما يكون في الرجال من مرضيات الخصال . وكما قال:
هُمُ الْقَوْمُ كلُّ الْقَوْمِ يا أُمَّ خَالِدِ ... وأن يكون الكتاب صفة . ومعناه: هو ذلك الكتاب الموعود ، وأن يكون { الم } خبر مبتدأ محذوف ، أي هذه الم ، ويكون ذلك خبرًا ثانيًا أو بدلًا ، على أن الكتاب صفة ، وأن يكون: هذه الم جملة ، وذلك الكتاب جملة أخرى . وإن جعلت الم بمنزلة الصوت ، كان ذلك مبتدأ خبره الكتاب ، أي ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب الكامل . أو الكتاب صفة والخبر ما بعده ، أو قدّر مبتدأ محذوف ، أي هو يعني المؤلف من هذه الحروف ذلك الكتاب . وقرأ عبد الله: { آلم ، تَنزِيلُ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ } . وتأليف هذا ظاهر .
والريب: مصدر رابني ، إذا حصل فيك الريبة . وحقيقة الريبة: قلق النفس واضطرابها . ومنه ما روى الحسن بن علي قال: سمعت رسول الله A يقول:
( 10 ) « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ، فإن الشك ريبة ، وإنّ الصدق طمأنينة »