فهرس الكتاب

الصفحة 459 من 3341

{ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ } يخونونها بالمعصية . كقوله: { عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ } [ البقرة: 187 ] جعلت معصية العصاة خيانة منهم لأنفسهم كما جعلت ظلمًا لها: لأنّ الضرر راجع إليهم . فإن قلت: لم قيل { للخائنين } و { يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ } وكان السارق طعمة وحده؟ قلت: لوجهين ، أحدهما: أنّ بني ظفر شهدوا له بالبراءة ونصروه ، فكانوا شركاء له في الإثم . والثاني: أنه جمع ليتناول طعمة وكل من خان خيانته ، فلا تخاصم لخائن قط ولا تجادل عنه . فإن قلت: لم قيل { خَوَّانًا أَثِيمًا } على المبالغة؟ قلت: كان الله عالمًا من طعمة بالإفراط في الخيانة وركوب المآثم ، ومن كانت تلك خاتمة أمره لم يشك في حاله . وقيل: إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات . وعن عمر Bه أنه أمر بقطع يد سارق ، فجاءت أمه تبكي وتقول: هذه أوّل سرقة سرقها فاعف عنه . فقال: كذبت ، إن الله لا يؤاخذ عبده في أول مرة { يَسْتَخْفُونَ } يستترون { مِنَ الناس } حياء منهم وخوفًا من ضررهم { وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الله } ولا يستحيون منه { وَهُوَ مَعَهُمْ } وهو عالم بهم مطلع عليهم لا يخفى عليهم خاف من سرهم ، وكفى بهذه الآية ناعية على الناس ما هم من قلة الحياء والخشية من ربهم ، مع علمهم إن كانوا مؤمنين أنهم في حضرته لا سترة ولا غفلة ولا غيبة ، وليس إلا الكشف الصريح والافتضاح { يُبَيّتُونَ } يدبرون ويزوّرون وأصله أن يكون بالليل { مَا لاَ يرضى مِنَ القول } وهو تدبير طعمة أن يرمي بالدرع في دار زيد ليسرّق دون ويحلف ببراءته . فإن قلت: كيف سمى التدبير قولًا ، وإنما هو معنى في النفس؟ قلت لما حدّث بذلك نفسه سمي قولًا على المجاز . ويجوز أن يراد بالقول: الحلف الكاذب الذي حلف به بعد أن بيته ، وتوريكه الذنب على اليهودي { هاأنتم هؤلاء } ها للتنبيه في أنتم . وأولاء ، وهما مبتدأ وخبر . و { جادلتم } جملة مبينة لوقوع أولاء خبرا ، كما تقول لبعض الأسخياء: أنت حاتم ، تجود بمالك ، وتؤثر على نفسك . ويجوز أن يكون ( أولاء ) اسمًا موصولًا بمعنى الذين ، وجادلتم صلته . والمعنى: هبوا أنكم خاصمتم عن طعمة وقومه في الدنيا . فمن يخاصم عنهم في الآخرة إذا أخذهم الله بعذابه . وقرأ عبد الله: «عنه» ، أي عن طعمة { وَكِيلًا } حافظًا ومحاميًا من بأس الله وانتقامه { وَمَن يَعْمَلْ سواءا } قبيحًا متعديًا يسوء به غيره ، كما فعل طعمة بقتادة واليهودي { أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ } بما يختص به كالحلف الكاذب . وقيل: ومن يعمل سوءًا من ذنب دون الشرك . أو يظلم نفسه بالشرك . وهذا بعث لطعمة على الاستغفار والتوبة لتلزمه الحجة ، مع العلم بما يكون منه . أو لقومه لما فرط منهم من نصرته والذبّ عنه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت