فهرس الكتاب

الصفحة 1273 من 3341

{ واستفتحوا } واستنصروا الله على أعدائهم { إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الفتح } [ الأنفال: 19 ] أو استحكموا الله وسألوه القضاء بينهم من الفتاحة وهي الحكومة ، كقوله تعالى: { رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق } [ الأعراف: 89 ] وهو معطوف على { أوحي إليهم } وقرىء: «واستفتحوا» بلفظ الأمر . وعطفه على { لتهلكنّ } أي: أوحى إليهم ربهم وقال لهم لنهلكنّ وقال لهم استفتحوا { وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } معناه فنصروا وظفروا وأفلحوا ، وخاب كل جبار عنيد ، وهم قومهم . وقيل: واستفتح الكفار على الرسل ، ظنا منهم بأنهم على الحق والرسل على الباطل ، وخاب كل جبار عنيد منهم ولم يفلح باستفتاحه { مِّن وَرَآئِهِ } من بين يديه . قال:

عَسَى الْكَرْبُ الَّذِي أَمْسَيْتَ فِيهِ ... يَكُونُ وَرَاءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ

وهذا وصف حاله وهو في الدنيا ، لأنه مرصد لجهنم ، فكأنها بين يديه وهو على شفيرها أو وصف حاله في الآخرة حين يبعث ويوقف ، فإن قلت: علام عطف { ويسقى } ؟ قلت: على محذوف تقديره: من ورائه جهنم يلقى فيها ما يلقى ويسقي من ماء صديد ، كأنه أشد عذابها فخصص بالذكر مع قوله: { وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيّتٍ } . فإن قلت: ما وجه قوله تعالى { مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ } ؟ قلت: صديد عطف بيان لماء ، قال: { ويسقى مِن مَّآءٍ } فأبهمه إبهامًا ثم بينه بقوله { صَدِيدٍ } وهو ما يسيل من جلود أهل النار { يَتَجَرَّعُهُ } يتكلف جرعه { وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ } دخل كاد للمبالغة . يعني: ولا يقارب أن يسيغه ، فكيف تكون الإساغة ، كقوله: { لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا } [ النور: 40 ] أي لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها { وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلِّ مَكَانٍ } كأنّ أسباب الموت وأصنافه كلها قد تألبت عليه وأحاطت به من جميع الجهات ، تفظيعًا لما يصيبه من الآلام . وقيل: { مِّن كُلِّ مَكَانٍ } من جسده حتى من إبهام رجله . وقيل: من أصل كل شعرة { وَمِن وَرَآئِهِ } ومن بين يديه { عَذَابٌ غَلِيظٌ } أي في كل وقت يستقبله يتلقى عذابًا أشدّ مما قبله وأغلظ . وعن الفضيل: هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد . ويحتمل أن يكون أهل مكة قد استفتحوا أي استمطروا - والفتح المطر - في سني القحط التي أرسلت عليهم بدعوة رسول الله A فلم يسقوا ، فذكر سبحانه ذلك ، وأنه خيب رجاء كل جبار عنيد وأنه يسقى في جهنم بدل سقياه ماء آخر ، وهو صديد أهل النار . واستفتحوا - على هذا التفسير -: كلام مستأنف منقطع عن حديث الرسل وأممهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت