فهرس الكتاب

الصفحة 260 من 3341

شبهت دلالته على وحدانيته بأفعاله الخاصة التي لا يقدر عليها غيره ، وبما أوحى من آياته الناطقة بالتوحيد كسورة الإخلاص وآية الكرسي وغيرهما بشهادة الشاهد في البيان والكشف ، وكذلك إقرار الملائكة وأولي العلم بذلك واحتجاجهم عليه { قَائِمًَا بالقسط } مقيمًا للعدل فيما يقسم من الأرزاق والآجال ، ويثيب ويعاقب ، وما يأمر به عباده من إنصاف بعضهم لبعض والعمل على السوية فيما بينهم . وانتصابه على أنه حال مؤكدة منه كقوله: { وَهُوَ الحق مُصَدّقًا } [ البقرة: 91 ] . فإن قلت: لم جاز إفراده بنصب الحال دون المعطوفين عليه؟ ولو قلت جاءني زيد وعمرو راكبًا لم يجز؟ قلت: إنما جاز هذا لعدم الإلباس كما جاز في قوله: { وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً } [ الأنبياء: 72 ] إن انتصب نافلة حالا عن يعقوب . ولو قلت: جاءني زيد وهند راكبًا جاز لتميزه بالذكورة ، أو على المدح . فإن قلت: أليس من حق المنتصب على المدح أن يكون معرفة كقولك: الحمد لله الحميد .

( 162 ) "إنا معشر الأنبياء لا نورث"إنا بنى نهشل لا ندعي لأب؟ قلت: قد جاء نكرة كما جاء معرفة . وأنشد سيبويه فيما جاء منه نكرة قول الهذلي:

وَيَأْوِي إلى نِسْوَةٍ عُطْلٍ ... وَشُعْثا مَرَاضِيعَ مِثْلَ السَّعَالِي

فإن قلت: هل يجوز أن يكون صفة للمنفي كأنه قيل: لا إله قائمًا بالقسط إلا هو؟ قلت: لا يبعد ، فقد رأيناهم يتسعون في الفصل بين الصفة والموصوف . فإن قلت: قد جعلته حالا من فاعل شهد ، فهل يصح أن ينتصب حالًا عن «هو» في { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } ؟ قلت: نعم ، لأنها حال مؤكدة والحال المؤكدة لا تستدعي أن يكون في الجملة التي هي زيادة في فائدتها عامل فيها ، كقولك: أنا عبد الله شجاعًا . وكذلك لو قلت: لا رجل إلا عبد الله شجاعًا . وهو أوجه من انتصابه عن فاعل شهد ، وكذلك انتصابه على المدح . فإن قلت: هل دخل قيامه بالقسط في حكم شهادة الله والملائكة وأولي العلم كما دخلت الوحدانية؟ قلت: نعم إذا جعلته حالًا من هو ، أو نصبًا على المدح منه ، أو صفة للمنفي ، كأنه قيل: شهد الله والملائكة وأولو العلم أنه لا إله إلا هو ، وأنه قائم بالقسط . وقرأ عبد الله: «القائم بالقسط» ، على أنه بدل من هو ، أو خبر مبتدأ محذوف . وقرأ أبو حنيفة: «قيما بالقسط» { العزيز الحكيم } صفتان مقرّرتان لما وصف به ذاته من الوحدانية والعدل ، يعني أنه العزيز الذي لا يغالبه إله آخر ، والحكيم الذي لا يعدل عن العدل في أفعاله . فإن قلت: ما المراد بأولي العلم الذي عظمهم هذا التعظيم حيث جمعهم معه ومع الملائكة في الشهادة على وحدانيته وعدله؟ قلت: هم الذين يثبتون وحدانيته وعدله بالحجج الساطعة والبراهين القاطعة وهم علماء العدل والتوحيد . وقرىء: «أنه» بالفتح ، و { إِنَّ الدين } بالكسر على أنّ الفعل واقع على أنه بمعنى شهد الله على أنه ، أو بأنه . وقوله: { إِنَّ الدين عِندَ الله الإسلام } جملة مستأنفة مؤكدة للجملة الأولى . فإن قلت: ما فائدة هذا التوكيد؟ قلت: فائدة أن قوله: { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } توحيد ، وقوله: { قَائِمًَا بالقسط } تعديل ، فإذا أردفه قوله: { إِنَّ الدين عِندَ الله الإسلام } فقد آذن أن الإسلام هو العدل والتوحيد ، وهو الدين عند الله ، وما عداه فليس عنده في شيء من الدين . وفيه أن من ذهب إلى تشبيه أو ما يؤدّي إليه كإجازة الرؤية أو ذهب إلى الجبر الذي هو محض الجور ، لم يكن على دين الله الذي هو الإسلام ، وهذا بين جلي كما ترى . وقرئا مفتوحين ، على أن الثاني بدل من الأوّل . كأنه قيل: شهد الله أن الدين عند الله الإسلام ، والبدل هو المبدل منه في المعنى ، فكان بيانًا صريحًا ، لأن دين الله هو التوحيد والعدل . وقرىء الأوّل بالكسر والثاني بالفتح ، على أن الفعل واقع على ( إنّ ) وما بينهما اعتراض مؤكد . وهذا أيضًا شاهد على أن دين الإسلام هو العدل والتوحيد ، فترى القراءات كلها متعاضدة على ذلك . وقرأ عبد الله: «أن لا إله إلا هو» . وقرأ أبيّ: «إن الدين عند الله للإسلام» ، وهي مقوية لقراءة من فتح الأولى وكسر الثانية . وقرىء: «شهداء لله» ، بالنصب على أنه حال من المذكورين قبله ، وبالرفع على هم شهداء الله . فإن قلت: فعلام عطف على هذه القراءة { والملائكة وَأُوْلُواْ العلم } ؟ قلت: على الضمير في شهداء ، وجاز لوقوع الفاصل بينهما . فإن قلت: لم كرر قوله: { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } قلت: ذكره أوّلًا للدلالة على اختصاصه بالوحدانية ، وأنه لا إله إلا تلك الذات المتميزة ، ثم ذكره ثانيًا بعد ما قرن بإثبات الوحدانية إثبات العدل ، للدلالة على اختصاصه بالأمرين ، كأنه قال: لا إله إلا هذا الموصوف بالصفتين ، ولذلك قرن به قوله: { العزيز الحكيم } لتضمنهما معنى الوحدانية والعدل { الذين أُوتُواْ الكتاب } أهل الكتاب من اليهود والنصارى . واختلافهم أنهم تركوا الإسلام وهو التوحيد والعدل { مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم } أنه الحق الذي لا محيد عنه ، فثلثت النصارى ، وقالت اليهود عزير ابن الله ، وقالوا: كنا أحق بأن تكون النبوّة فينا من قريش لأنهم أمّيون ونحن أهل الكتاب ، وهذا تجوير { بَغْيًا بَيْنَهُمْ } أي ما كان ذلك الاختلاف وتظاهر هؤلاء بمذهب وهؤلاء بمذهب إلا حسدًا بينهم وطلبًا منهم للرياسة وحظوظ الدنيا ، واستتباع كل فريق ناسًا يطؤن أعقابهم ، لاشبهة في الإسلام . وقيل: هو اختلافهم في نبوّة محمد A ، حيث آمن به بعض وكفر به بعض . وقيل: هو اختلافهم في الإيمان بالأنبياء ، فمنهم من آمن بموسى ، ومنهم من آمن بعيسى . وقيل هم اليهود ، واختلافهم أن موسى عليه السلام حين احتضر استودع التوراة سبعين حبرًا من بني إسرائيل ، وجعلهم أمناء عليها ، واستخلف يوشع ، فلما مضى قرن بعد قرن اختلف أبناء السبعين بعد ما جاءهم علم التوراة بغيا بينهم وتحاسدًا على حظوظ الدنيا والرياسة . وقيل: هم النصارى واختلافهم في أمر عيسى بعد ما جاءهم العلم أنه عبد الله ورسوله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت