فهرس الكتاب

الصفحة 3097 من 3341

مثل الله D حال الكفار في أنهم يعاقبون على كفرهم وعداوتهم للمؤمنين معاقبة مثلهم من غير إبقاء ولا محاباة ، ولا ينفعهم مع عداوتهم لهم ما كان بينهم وبينهم من لحمة نسب أو وصلة صهر؛ لأن عداوتهم لهم وكفرهم بالله ورسوله قطع العلائق وبت الوصل ، وجعلهم أبعد من الأجانب وأبعد ، وإن كان المؤمن الذي يتصل به الكافر نبيا من أنبياء الله بحال امرأة نوح وامرأة لوط: لما نافقتا وخانتا الرسولين لم يغن الرسولان عنهما بحق ما بينهما وبينهما من وصلة الزواج إغناء ما من عذاب الله { وَقِيلَ } لهما عند موتهما أو يوم القيامة: { ادخلا النار مَعَ } سائر { الداخلين } الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء . أو مع داخليها من إخوانكما من قوم نوح وقوم لوط . ومثل حال المؤمنين في أنّ وصلة الكافرين لا تضرهم ولا تنقص شيئًا من ثوابهم وزلفاهم عند الله بحال امرأة فرعون ومنزلتها عند الله تعالى ، مع كونها زوجة أعدى أعداء الله الناطق بالكلمة العظمى ، ومريم ابنة عمران وما أوتيت من كرامة الدنيا والآخرة والاصطفاء على نساء العالمين ، مع أنّ قومها كانوا كفارًا . وفي طيّ هذين التمثيلين تعريض بأميّ المؤمنين المذكورتين في أوّل السورة وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله A بما كرهه وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشد ، لما في التمثيل من ذكر الكفر . ونحوه في التغليظ قوله تعالى: { وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ العالمين } وإشارة إلى أن من حقهما أن تكونا في الإخلاص والكمال فيه كمثل هاتين المؤمنتين ، وأن لا تتكلا على أنهما زوجا رسول الله ، فإنّ ذلك الفضل لا ينفعهما إلا مع كونهما مخلصتين ، والتعريض بحفصة أرجح ، لأن امرأة لوط أفشت عليه كما أفشت حفصة على رسول الله ، وأسرار التنزيل ورموزه في كل باب بالغة من اللطف والخفاء حدا يدق عن تفطن العالم ويزل عن تبصره . فإن قلت ، ما فائدة قوله: { مِّنْ عِبَادِنَا } ؟ قلت: لما كان مبنى التمثيل على وجود الصلاح في الإنسان كائنًا من كان ، وأنه وحده هو الذي يبلغ به الفوز وينال ما عند الله: قال عبدين من عبادنا صالحين ، فذكر النبيين المشهورين العلمين بأنهما عبدان لم يكونا إلا كسائر عبادنا ، من غير تفاوت بينهما وبينهم إلا بالصلاح وحده إظهارًا وإبانة ، لأن عبدًا من العباد لا يرجح عنده إلا بالصلاح لا غير ، وأن ما سواه مما يرجح به الناس عند الناس ليس بسبب للرجحان عنده . فإن قلت: ما كانت خيانتهما؟ قلت: نفاقهما وإبطانهما الكفر ، وتظاهرهما على الرسولين ، فامرأة نوح قالت لقومه: إنه مجنون ، وامرأة لوط دلت على ضيفانه . ولا يجوز أن يراد بالخيانة الفجور لأنه سمج في الطباع نقيصة عند كل أحد ، بخلاف الكفر فإن الكفار لا يستسمجونه بل يستحسنونه ويسمونه حقًا ، وعن ابن عباس Bهما: ما بغت امرأة نبي قط .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت