{ طيبات مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ } ما طاب ولذ من الحلال . ومعنى { لاَ تُحَرّمُواْ } لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم . أو لا تقولوا حرّمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهدًا منكم وتقشفًا وروي:
( 363 ) أنّ رسول الله A وصف القيامة يومًا لأصحابه ، فبالغ وأشبع الكلام في الإنذار ، فرقوا واجتمعوا في بيت عثمان بن مظعون ، واتفقوا على أن لا يزالوا صائمين قائمين ، وأن لا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم والودك ، ولا يقربوا النساء والطيب ، ويرفضوا الدنيا ويلبسوا المسوح ويسيحوا في الأرض ، ويجبوا مذاكيرهم فبلغ ذلك رسول الله A فقال لهم: « إني لم أومر بذلك ، إن لأنفسكم عليكم حقًا ، فصوموا وأفطروا ، وقوموا وناموا ، فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر ، وآكل اللحم والدسم ، وآتي النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني » ونزلت . وروي:
( 364 ) أنّ رسول الله A كان يأكل الدجاج والفالوذ ، وكان يعجبه الحلواء والعسل . وقال: « إن المؤمن حلو يحب الحلاوة » ، وعن ابن مسعود أن رجلًا قال له: إني حرمت الفراش فتلا هذه الآية وقال: نم على فراشك وكفر عن يمينك . وعن الحسن أنه دعي إلى طعام ومعه فرقد السنجيّ وأصحابه ، فقعدوا على المائدة وعليها الألوان من الدجاج المسمن والفالوذ وغير ذلك ، فاعتزل فرقد ناحية ، فسأل الحسن: أهو صائم؟ قالوا: لا ، ولكنه يكره هذه الألوان . فأقبل الحسن عليه وقال: يا فريقد ، أترى لعاب النحل بلباب البرّ بخالص السمن يعيبه مسلم . وعنه أنه قيل له . فلان لا يأكل الفالوذ ويقول: لا أؤدّي شكره . قال: أفيشرب الماء البارد؟ قالوا: نعم . قال: إنه جاهل ، إن نعمة الله عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوذ . وعنه أن الله تعالى أدّب عباده فأحسن أدبهم . قال الله تعالى: { لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مّن سَعَتِهِ } [ الطلاق: 7 ] ما عاب الله قومًا وسع عليهم الدنيا فتنعموا وأطاعوا ، ولا عذر قومًا زواهًا عنهم فعصوه { وَلاَ تَعْتَدُواْ } ولا تتعدوا حدود ما أحل الله لكم إلى ما حرّم عليكم . أو ولا تسرفوا في تناول الطيبات . أو جعل تحريم الطيبات اعتداء وظلمًا ، فنهى عن الاعتداء ليدخل تحته النهي عن تحريمها دخولًا أوليًا لوروده على عقبه أو أراد ولا تعتدوا بذلك { وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله } أي من الوجوه الطيبة التي تسمى رزقًا { حلالا } حال مما رزقكم الله { واتقوا الله } تأكيد للتوصية بما أمر به . وزاده تأكيدًا بقوله: { الذى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ } لأنّ الإيمان به يوجب التقوى في الانتهاء إلى ما أمر به وعما نهى عنه .