فهرس الكتاب

الصفحة 351 من 3341

{ يسارعون فِى الكفر } يقعون فيه سريعًا ويرغبون فيه أشدّ رغبة ، وهم الذين نافقوا من المتخلفين . وقيل: هم قوم ارتدّوا عن الإسلام . فإن قلت: فما معنى قوله: { وَلاَ يَحْزُنكَ } ؟ ومن حق الرسول أن يحزن لنفاق من نافق وارتداد من ارتدّ؟ قلت: معناه لا يحزنوك لخوف أن يضرّوك ويعينوا عليك . ألا ترى إلى قوله { إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئًا } يعني أنهم لا يضرون بمسارعتهم في الكفر غير أنفسهم ، وما وبال ذلك عائدًا على غيرهم . ثم بين كيف يعود وباله عليهم بقوله: { يُرِيدُ الله أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِى الاخرة } أي نصيبًا من الثواب { وَلَهُمْ } بدل الثواب { عَذَابٌ عظِيمٌ } وذلك أبلغ ما ضرّ به الإنسان نفسه . فإن قلت: هلا قيل: لا يجعل الله لهم حظًا في الآخرة ، وأيّ فائدة في ذكر الإرادة؟ قلت: فائدته الإشعار بأنّ الداعي إلى حرمانهم وتعذيبهم قد خلص خلوصًا لم يبق معه صارف قط حين سارعوا في الكفر ، تنبيهًا على تماديهم في الطغيان وبلوغهم الغاية فيه ، حتى أنّ أرحم الراحمين يريد أن لا يرحمهم { إِنَّ الذين اشتروا الكفر بالإيمان } إمّا أن يكون تكريرًا لذكرهم للتأكيد والتسجيل عليهم بما أضاف إليهم . وإمّا أن يكون عامًا للكفار ، والأوّل خاصًا فيمن نافق من المتخلفين ، أو ارتدّ عن الإسلام أو على العكس . و { شَيْئًا } نصب على المصدر؛ لأن المعنى: شيئًا من الضرر وبعض الضرر { الذين كَفَرُواْ } فيمن قرأ بالتاء نصب و { أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لاِنفُسِهِمْ } بدل منه: أي ولا تحسبنّ أنّ ما نملي للكافرين خير لهم ، و «أن» مع ما في حيزه ينوب عن المفعولين ، كقوله: { أم تحسب أنّ أكثرهم يسمعون } [ الفرقان: 44 ] وما مصدرية ، بمعنى: ولا تحسبنّ أنّ إملاءنا خير ، وكان حقها في قياس علم الخط أن تكتب مفصولة . ولكنها وقعت في الإمام متصلة فلا يخالف ، وتتبع سنة الإمام في خط المصاحف . فإن قلت: كيف صحّ مجيء البدل ولم يذكر إلا أحد المفعولين ، ولا يجوز الاقتصار بفعل الحسبان على مفعول واحد؟ قلت: صحّ ذلك من حيث إنّ التعويل على البدل والمبدل منه في حكم المنحى ، ألا تراك تقول: جعلت متاعك بعضه فوق بعض ، مع امتناع سكوتك على متاعك . ويجوز أن يقدّر مضاف محذوف على: ولا تحسبنّ الذين كفروا أصحاب أن الإملاء خير لأنفسهم . أو ولا تحسبنّ حال الذين كفروا أن الإملاء خير لأنفسهم . وهو فيمن قرأ بالياء رفع ، والفعل متعلق بأن وما في حيزه . والإملاء لهم: تخليتهم وشأنهم ، مستعار من أملى لفرسه إذا أرخى له الطول ليرعى كيف شاء . وقيل: هو إمهالهم وإطالة عمرهم . والمعنى: ولا تحسبنّ أن الإملاء خير لهم من منعهم أو قطع آجالهم { إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ } «ما» هذه حقها أن تكتب متصلة ، لأنها كافة دون الأولى ، وهذه جملة مستأنفة تعليل للجملة قبلها ، كأنه قيل: ما بالهم لا يحسبون الإملاء خيرًا لهم ، فقيل: إنما نملي لهم ليزدادوا إثمًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت