فهرس الكتاب

الصفحة 822 من 3341

{ مّن نَّفْسٍ واحدة } وهي نفس آدم عليه السلام { وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } وهي حواء ، خلقها من جسد آدم من ضلع من أضلاعه . أو من جنسها كقوله: { جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } [ النمل: 72 ] { لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا } ليطمئن إليها ويميل ولا ينفر؛ لأن الجنس إلى الجنس أميل وبه آنس ، وإذا كانت بعضًا منه كان السكون والمحبة أبلغ ، كما يسكن الإنسان إلى ولده ويحبه محبة نفسه لكونه بضعة منه . وقال: { لِيَسْكُنَ } فذكر بعد ما أنث في قوله: «واحدة» «منها زوجها» ، ذهابا إلى معنى النفس ليبين أن المراد بها آدم . ولأن الذكر هو الذي يسكن إلى الأنثى ويتغشاها ، فكان التذكير أحسن طباقًا للمعنى . والتغشي: كناية عن الجماع ، وكذلك الغشيان والإتيان { حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا } خف عليها ، ولم تلق منه ما يلقى بعض الحبالي من حملهن من الكرب والأذى ، ولم تستثقله كما يستثقلنه . وقد تسمع بعضهن تقول في ولدها: ما كان أخفه على كبدي حين حملته { فَمَرَّتْ بِهِ } فمضت به إلى وقت ميلاده من غير إخداج ولا إزلاق وقيل: { حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا } يعني النطفة { فَمَرَّتْ بِهِ } فقامت به وقعدت . وقرأ ابن عباس Bه: «فاستمرت به» وقرأ يحيى بن يعمر «فمرت به» بالتخفيف . وقرأ غيره «فمارت به» من المرية ، كقوله: { أفتمارونه } وأفتمرونه . ومعناه: فوقع في نفسها ظن الحمل ، فارتابت به . { فَلَمَّا أَثْقَلَت } حان وقت ثقل حملها كقولك: أقربت . وقرىء «أُثقلت» ، على البناء للمفعول: أي أثقلها الحمل { دَّعَوَا الله رَبَّهُمَا } دعا آدم وحواء رَبَّهما ومالِكَ أمرهما الذي هو الحقيقي بأن يدعى ويلتجأ إليه فقالا: { لَئِنْ ءاتَيْتَنَا } لئن وهبت لنا { صالحا } ولدًا سويًا قد صلح بدنه وبرىء . وقيل: ولدًا ذكرًا ، لأن الذكورة من الصلاح والجودة . والضمير في { ءَاتَيْتَنَا } و { لَّنَكُونَنَّ } . لهما ولكل من يتناسل من ذريتهما { فَلَمَّا ءاتاهما } ما طلباه من الولد الصالح السويّ { جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء } أي جعل أولادهما له شركاء ، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ، وكذلك { فِيمَا ءاتاهما } أي آتى أولادهما ، وقد دلّ على ذلك بقوله: { فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ } حيث جمع الضمير . وآدم وحواء بريئان من الشرك . ومعنى إشراكهم فيما آتاهم الله: تسميتهم أولادهم بعبد العزى وعبد مناة ، وعبد شمس وما أشبه ذلك ، مكان عبد الله وعبد الرحمن وعبد الرحيم . ووجه آخر وهو أن يكون الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله A ، وهم آل قصي ألا ترى إلى قوله في قصة أم معبد .

فَيَا لَقُصَيّ مَا زَوَى اللَّهُ عَنْكُم ... بِهِ مِنْ فَخَارٍ لاَ يُبَارَى وَسُودَدِ

ويراد هو الذي خلقكم من نفس قصيّ ، وجعل من جنسها زوجها عربية قرشية ليسكن إليها ، فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح السويّ جعلا له شركاء فيما آتاهما ، حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف وعبد العزى وعبد قصيّ وعبد الدار ، وجعل الضمير في { يُشْرِكُونَ } لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك ، وهذا تفسير حسن لا إشكال فيه . وقرىء «شركا» ، أي ذوي شرك وهم الشركاء ، أو أحدثا لله شركًا في الولد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت