فهرس الكتاب

الصفحة 2052 من 3341

{ كُلّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } هم الكهنة والمتنبئة ، كشقّ ، وسطيح ، ومسيلمة ، وطليحة { يُلْقُونَ السمع } هم الشياطين ، كانوا قبل أن يحجبوا بالرجم يسمعون إلى الملإ الأعلى فيختطفون بعض ما يتكلمون به مما أطلعوا عليه من الغيوب ، ثم يوحون به إلى أوليائهم من أولئك { وَأَكْثَرُهُمْ كاذبون } فيما يوحون به إليهم؛ لأنهم يسمعونهم ما لم يسمعوا . وقيل: يلقون إلى أوليائهم السمع أي المسموع من الملائكة . وقيل: الأفاكون يلقون السمع إلى الشياطين فيتلقون وحيهم إليهم . أو يلقون المسموع من الشياطين إلى الناس ، وأكثر الأفاكين كاذبون يفترون على الشياطين ما لم يوحوا إليهم ، وترى أكثر ما يحكمون به باطلًا وزورًا . وفي الحديث:

( 790 ) "الكلمةُ يخطفُها الجنيُّ فيقرّها في أذنِ وليهِ فيزيدُ فيها أكثر من مائةِ كذبةٍ"والقرّ: الصبّ . فإن قلت: كيف دخل حرف الجرّ على «من» المتضمنة لمعنى الاستفهام والاستفهام له صدر الكلام؟ ألا ترى إلى قولك: أعلى زيد مررت؟ ولا تقول: على أزيد مررت؟ قلت: ليس معنى التضمن أن الاسم دل على معنيين معًا: معنى الاسم ، ومعنى الحرف . وإنما معناه: أن الأصل أمن ، فحذف حرف الاستفهام واستمرّ الاستعمال على حذفه ، كما حذف من «هل» والأصل: أهل . قال:

أَهَلْ رَأَوْنَا بِسَفْحِ الْقَاعِ ذِي الأَكَمِ ... فإذا أدخلت حرف الجرّ على «من» فقدّر الهمزة قبل حرف الجرّ في ضميرك ، كأنك تقول: أعلى من تنزّل الشياطين ، كقولك: أعلى زيد مررت . فإن قلت: { يُلْقُونَ } ما محله؟ قلت: يجوز أن يكون في محل النصب على الحال ، أي: تنزل ملقين السمع ، وفي محل الجرّ صفة لكل أفاك؛ لأنه في معنى الجمع ، وأن لا يكون له محل بأن يستأنف ، كأن قائلًا قال: لم تنزل على الأفاكين؟ فقيل: يفعلون كيت وكيت . فإن قلت: كيف قيل: { وَأَكْثَرُهُمْ كاذبون } بعد ما قضى عليهم أن كل واحد منهم أفاك؟ قلت: الأفاكون هم الذين يكثرون الإفك ، ولا يدل ذلك على أنهم لا ينطقون إلا بالإفك ، فأراد أن هؤلاء الأفاكين قلّ من يصدق منهم فيما يحكي عن الجني؛ وأكثرهم مفتر عليه . فإن قلت: { وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبّ العالمين } [ الشعراء: 192 ] ، { وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشياطين } [ الشعراء: 210 ] ، { هَلْ أُنَبّئُكُمْ على مَن تَنَزَّلُ الشياطين } لم فرق بينهنّ وهنّ أخوات؟ قلت: أريد التفريق بينهنّ بآيات ليست في معناهنّ ، ليرجع إلى المجيء بهنّ وتطرية ذكر ما فيهنّ كرّة بعد كرّة: فيدل بذلك على أن المعنى الذي نزلن فيه من المعاني التي اشتدت كراهة الله لخلافها . ومثاله: أن يحدّث الرجل بحديث وفي صدره اهتمام بشيء منه وفضل عناية ، فتراه يعيد ذكره ولا ينفك عن الرجوع إليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت