فهرس الكتاب

الصفحة 2875 من 3341

هذا تقرير لما ألزمه من تولى الإصلاح بين من وقعت بينهم المشاقة من المؤمنين ، وبيان أن الإيمان قد عقد بين أهله من السبب القريب والنسب اللاصق: ما إن لم يفضل الأخوّة ولم يبرز عليها لم ينقص عنها ولم يتقاصر عن غايتها . ثم قد جرت عادة الناس على أنه إذا نشب مثل ذلك بين اثنين من إخوة الولاد ، لزم السائر أن يتناهضوا في رفعه وإزاحته ، ويركبوا الصعب والذلول مشيًا بالصلح وبثًا للسفراء بينهما ، إلى أن يصادف ما وهي من الوفاق من يرقعه ، وما استشن من الوصال من يبله؛ فالأخوة في الدين أحق بذلك وبأشدّ منه . وعن النبي A:

"المسلم أخو المسلم لا يظلمه ، ولا يخذله ، ولا يعيبه ، ولا يتطاول عليه في البنيان فيستر عنه الريح إلا بإذنه ، ولا يؤذيه بقتار قدره"ثم قال:"احفظوا ، ولا يحفظ منكم إلا قليل". فإن قلت: فلم خص الاثنان بالذكر دون الجمع؟ قلت: لأن أقل من يقع بينهم الشقاق اثنان؛ فإذا لزمت المصالحة بين الأقل كانت بين الأكثر ألزم؛ لأنّ الفساد في شقاق الجمع أكثر منه في شقاق الاثنين ، وقيل: المراد بالأخوين الأوس والخزرج ، وقرىء: «بين إخوتكم وإخوانكم» والمعنى: ليس المؤمنون إلا إخوة ، وأنهم خلص لذلك متمحضون ، قد انزاحت عنهم شبهات الأجنبية ، وأبي لطف حالهم في التمازج والاتحاد أن يقدموا على ما يتولد منه التقاطع ، فبادروا قطع ما يقع من ذلك إن وقع واحسموه { واتقوا الله } فإنكم إن فعلتم لم تحملكم التقوى إلا على التواصل والائتلاف ، والمسارعة إلى إماطة ما يفرط منه ، وكان فعلكم ذلك وصول رحمة الله إليكم ، واشتمال رأفته عليكم حقيقًا بأن تعقدوا به رجاءكم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت