فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 3341

{ الذين يُؤْمِنُونَ } إما موصول بالمتقين على أنه صفة مجرورة ، أو مدح منصوب ، أو مرفوع بتقدير: أعني الذين يؤمنون ، أو هم الذين يؤمنون . وإما مقتطع عن المتقين مرفوع على الابتداء مخبر عنه ب ( أولئك على هدى ) . فإذا كان موصولًا ، كان الوقف على المتقين حسنًا غير تامّ . وإذا كان مقتطعًا ، كان وقفًا تامًا . فإن قلت: ما هذه الصفة ، أواردة بيانًا وكشفًا للمتقين؟ أم مسرودة مع المتقين تفيد غير فائدتها؟ أم جاءت على سبيل المدح والثناء كصفات الله الجارية عليه تمجيدًا؟ قلت: يحتمل أن ترد على طريق البيان والكشف لاشتمالها على ما أسست عليه حال المتقين من فعل الحسنات وترك السيئات . أمّا الفعل فقد انطوى تحت ذكر الإيمان الذي هو أساس الحسنات ومنصبها ، وذكر الصلاة والصدقة؛ لأنّ هاتين أُمّا العبادات البدنية والمالية ، وهما العيار على غيرهما . ألم تر كيف سمى رسول الله A: ( 14 )

"الصلاة عماد الدين ."

( 16 ) وجعل الفاصل بين الإسلام والكفر ترك الصلاة؟ ( 15 ) . وسمى الزكاة

قنطرة الإسلام؟ وقال الله تعالى: { وويلٌ لّلْمُشْرِكِينَ الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكواة } [ فصلت: 6 7 ] . فلما كانتا بهذه المثابة كان من شأنهما استجرار سائر العبادات واستتباعها . ومن ثم اختصر الكلام اختصارًا ، بأن استغنى عن عدّ الطاعات بذكر ما هو كالعنوان لها ، والذي إذا وجد لم تتوقف أخواته أن تقترن به ، مع ما في ذلك من الإفصاح عن فضل هاتين العبادتين . وأما الترك فكذلك . ألا ترى إلى قوله تعالى: { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } [ العنكبوت: 45 ] ؟ ويحتمل أن لا تكون بيانًا للمتقين ، وتكون صفة برأسها دالة على فعل الطاعات ، ويراد بالمتقين الذين يجتنبون المعاصي . ويحتمل أن تكون مدحًا للموصوفين بالتقوى ، وتخصيصًا للإيمان بالغيب وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة بالذكر؛ إظهارًا لإنافتها عن سائر ما يدخل تحت حقيقة هذا الاسم من الحسنات .

والإيمان: إفعال من الأمن . يقال: أمنته وآمنته غيري . ثم يقال: آمنه إذا صدّقه . وحقيقته: آمنه التكذيب والمخالفة . وأمّا تعديته بالباء فلتضمينه معنى أقرّ وأعترف . وأمّا ما حكى أبو زيد عن العرب: ما آمنت أن أجد صحابة أي ما وثقت فحقيقته: صرت ذا أمن به ، أي ذا سكون وطمأنينة ، وكلا الوجهين حسن في { يُؤْمِنُونَ بالغيب } أي يعترفون به أو يثقون بأنه حق . ويجوز أن لا يكون { بالغيب } صلة للإيمان ، وأن يكون في موضع الحال ، أي يؤمنون غائبين عن المؤمن به . وحقيقته: ملتبسين بالغيب ، كقوله { الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بالغيب } [ فاطر: 18 ] ، { لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب } [ يوسف: 52 ] . ويعضده ما روى «أن أصحاب عبد الله ذكروا أصحاب رسول الله A وإيمانهم ، فقال ابن مسعود: إنّ أمر محمد كان بينًا لمن رآه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت