والذي لا إله غيره ، ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب ، ثم قرأ هذه الآية . فإن قلت: فما المراد بالغيب إن جعلته صلة؟ وإن جعلته حالًا؟ قلت: إن جعلته صلة كان بمعنى الغائب ، إمّا تسمية بالمصدر من قولك: غاب الشيء غيبًا ، كما سمي الشاهد بالشهادة . قال الله تعالى: { عالم الغيب والشهادة } [ الزمر: 46 ] . والعرب تسمي المطمئن من الأرض غيبًا . وعن النضر بن شميل: شربت الإبل حتى وارت غيوب كلاها . يريد بالغيب: الخمصة التي تكون في موضع الكلية ، إذا بطنت الدابة انتفخت . وإما أن يكون فيعلا فخفف ، كما قيل وأصله: قيل . والمراد به الخفي الذي لا ينفذ فيه ابتداء إلا علم اللطيف الخبير ، وإنما نعلم منه نحن ما أعلمناه ، أو نصب لنا دليلًا عليه . ولهذا لا يجوز أن يطلق فيقال: فلان يعلم الغيب . وذلك نحو الصانع وصفاته ، والنبوّات وما يتعلق بها ، والبعث والنشور والحساب والوعد والوعيد ، وغير ذلك . وإن جعلته حالًا كان بمعنى الغيبة والخفاء . فإن قلت: ما الإيمان الصحيح؟ قلت: أن يعتقد الحق ويعرب عنه بلسانه ، ويصدّقه بعمله . فمن أخل بالاعتقاد وإن شهد وعمل فهو منافق . ومن أخل بالشهادة فهو كافر . ومن أخل بالعمل فهو فاسق .
ومعنى إقامة الصلاة تعديل أركانها وحفظها من أن يقع زيغ في فرائضها وسننها وآدابها ، من أقام العود إذا قوّمه أو الدوام عليها والمحافظة عليها ، كما قال عز وعلا: { الذين هُمْ على صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ } [ المعارج: 23 ] ، { والذين هُمْ على صلواتهم يحافظون } [ المؤمنون: 9 ] من قامت السوق إذا نفقت ، وأقامها . قال:
أَقَامَتْ غَزَالَةُ سُوقَ الضِّرَابِ ... لِأَهْلِ العِرَاقيْنِ حَولًا قمِيطَا
لأنها إذا حوفظ عليها ، كانت كالشيء النافق الذي تتوجه إليه الرغبات ويتنافس فيه المحصلون . وإذا عطلت وأضيعت ، كانت كالشيء الكاسد الذي لا يرغب فيه . أو التجلد والتشمر لأدائها . وأن لا يكون في مؤدّيها فتور عنها ولا توان ، من قولهم: قام بالأمر ، وقامت الحرب على ساقها . وفي ضدّه: قعد عن الأمر ، وتقاعد عنه إذا تقاعس وتثبط أو أداؤها ، فعبر عن الأداء بالإقامة؛ لأنّ القيام بعض أركانها ، كما عبر عنه بالقنوت والقنوت القيام وبالركوع وبالسجود ، وقالوا: سبح ، إذا صلى؛ لوجود التسبيح فيها . { فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين } [ الصافات: 143 ] .
والصلاة: فعلة من صلى ، كالزكاة من زكى . وكتابتها بالواو على لفظ المفخم . وحقيقة صلى: حرّك الصلوين؛ لأن المصلي يُفعل ذلك في ركوعه وسجوده . ونظيره كفر اليهودي إذا طأطأ رأسه وانحنى عند تعظيم صاحبه؛ لأنه ينثني على الكاذتين وهما الكافرتان . وقيل للداعي: مصلّ ، تشبيهًا في تخشعه بالراكع والساجد .
وإسناد الرزق إلى نفسه للإعلام بأنهم ينفقون الحلال الطلق الذي يستأهل أن يضاف إلى الله ، ويسمى رزقًا منه . وأدخل من التبعيضية صيانة لهم وكفا عن الإسراف والتبذير المنهى عنه . وقدّم مفعول الفعل دلالة على كونه أهم ، كأنه قال: ويخصون بعض المال الحلال بالتصدّق به . وجائز أن يراد به الزكاة المفروضة ، لاقترانه بأخت الزكاة وشقيقتها وهي الصلاة ، وأن تراد هي وغيرها من النفقات في سبيل الخير ، لمجيئه مطلقًا يصلح أن يتناول كل منفق . وأنفق الشيء وأنفده أخوان . وعن يعقوب: نفق الشيء ، ونفد واحد . وكل ما جاء مما فاؤه نون وعينه فاء ، فدالّ على معنى الخروج والذهاب ونحو ذلك إذا تأملت .