فهرس الكتاب

الصفحة 2450 من 3341

قبح الله عزّ وجلّ إنكارهم البعث تقبيحًا لا ترى أعجب منه وأبلغ ، ودلّ على تمادي كفر الإنسان وإفراطه في جحود النعم وعقوق الأيادي ، وتوغله في الخسّة وتغلغله في القحة ، حيث قرره بأن عنصره الذي خلقه منه هو أخسّ شيء وأمهنه ، وهو النطفة المذرة الخارجة من الإحليل الذي هو قناة النجاسة ، ثم عجب من حاله بأن يتصدّى مثله على مهانة أصله ودناءة أوّله لمخاصمة الجبار ، وشرز صفحته لمجادلته ، ويركب متن الباطل ويلج ، ويمحك ويقول: من يقدر على إحياء الميت بعد ما رمت عظامه ، ثم يكون خصامه في ألزم وصف له وألصقه به ، وهو كونه منشأ من موات ، وهو ينكر إنشاءه من موات ، وهي المكابرة التي لا مطمح وراءها ، وروى:

( 942 ) أن جماعة من كفار قريش منهم أبيّ بن خلف الجمحي وأبو جهل والعاصي بن وائل والوليد بن المغيرة تكلموا في ذلك ، فقال لهم أبيّ: ألا ترون إلى ما يقول محمد ، إنّ الله يبعث الأموات ، ثم قال: واللات والعزّى لأصيرنّ إليه ولأخصمنه ، وأخذ عظمًا باليًا فجعل يفته بيده وهو يقول: يا محمد ، أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رمّ ، قال A: « نعم ويبعثك ويدخلك جهنم » وقيل: معنى قوله: { فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } فإذا هو بعد ما كان ماء مهينًا رجل مميز منطيق قادر على الخصام ، مبين: معرب عما في نفسه فصيح ، كما قال تعالى: { أَوْ مِن يُنَشَّأُ فِى الحلية وَهُوَ فِى الخصام غَيْرُ مُبِينٍ } [ الزخرف: 18 ] . فإن قلت: لم سمى قوله: { مَن يُحىِ العظام وَهِىَ رَمِيمٌ } مثلًا؟ قلت: لما دلّ عليه من قصة عجيبة شبيهة بالمثل ، وهي إنكار قدرة الله تعالى على إحياء الموتى . أو لما فيه من التشبيه ، لأن ما أنكر من قبيل ما يوصف الله بالقدرة عليه ، بدليل النشأة الأولى ، فإذا قيل: من يحيي العظام على طريق الإنكار لأن يكون ذلك مما يوصف الله تعالى بكونه قادرًا عليه ، كان تعجيزًا لله وتشبيهًا له بخلقه في أنهم غير موصوفين بالقدرة عليه . والرميم: اسم لما بلي من العظام غير صفة ، كالرمة والرفات ، فلا يقال: لم لم يؤنث وقد وقع خبر المؤنث؟ ولا هو فعيل بمعنى فاعل أو مفعول ، ولقد استشهد بهذه الآية من يثبت الحياة في العظام ويقول: إن عظام الميتة نجسة لأن الموت يؤثر فيها من قبل أن الحياة تحلها . وأما أصحاب أبي حنيفة فهي عندهم طاهرة ، وكذلك الشعر والعصب ، ويزعمون أنّ الحياة لا تحلها فلا يؤثر فيها الموت ، ويقولون: المراد بإحياء العظام في الآية ردّها إلى ما كانت عليه غضة رطبة في بدن حيّ حساس { وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ } يعلم كيف يخلق ، لا يتعاظمه شيء من خلق المنشآت والمعادات ومن أجناسها وأنواعها وجلائلها ودقائقها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت