قدّم سبحانه من موجبات عبادته وملزمات حق الشكر له خلقهم أحياء قادرين أوّلًا؛ لأنه سابقة أصول النعم ومقدمتها ، والسبب في التمكن من العبادة والشكر وغيرهما ، ثم خلق الأرض التي هي مكانهم ومستقرّهم الذي لا بدّ لهم منه ، وهي بمنزلة عرصة المسكن ومتقلبه ومفترشه ، ثم خلق السماء التي هي كالقبة المضروبة والخيمة المطنبة على هذا القرار ، ثم ما سوّاه عزّ وجل من شبه عقد النكاح بين المقلة والمظلة بإنزال الماء منها عليها . والإخراج به من بطنها أشباه النسل المنتج من الحيوان من ألوان الثمار رزقًا لبني آدم ، ليكون لهم ذلك معتبرًا: ومتسلقًا إلى النظر الموصل إلى التوحيد والاعتراف؛ ونعمة يتعرفونها فيقابلونها بلازم الشكر ، ويتفكرون في خلق أنفسهم وخلق ما فوقهم وتحتهم ، وأن شيئًا من هذه المخلوقات كلها لا يقدر على إيجاد شيء منها ، فيتيقنوا عند ذلك أن لا بدّ لها من خالق ليس كمثلها ، حتى لا يجعلوا المخلوقات له أندادًا وهم يعلمون أنها لا تقدر على نحو ما هو عليه قادر . والموصول مع صلته إمّا أن يكون في محل النصب وصفًا كالذي خلقكم ، أو على المدح والتعظيم . وإمّا أن يكون رفعًا على الابتداء وفيه ما في النصب من المدح ، وقرأ يزيد الشامي: بساطًا . وقرأ طلحة: مهادا . ومعنى جعلها فراشًا وبساطًا ومهادًا للناس: أنهم يقعدون عليها وينامون ويتقلبون كما يتقلب أحدهم على فراشه وبساطه ومهاده . فإن قلت: هل فيه دليل على أنّ الأرض مسطحة وليست بكريّة؟ قلت: ليس فيه إلا أن الناس يفترشونها كما يفعلون بالمفارش ، وسواء كانت على شكل السطح ، أو شكر الكرة ، فالافتراش غير مستنكر ولا مدفوع ، لعظم حجمها واتساع جرمها وتباعد أطرافها . وإذا كان متسهلًا في الجبل وهو وتد من أوتاد الأرض ، فهو في الأرض ذات الطول والعرض أسهل . والبناء مصدر سمي به المبنى بيتًا كان أو قبة أو خباء أو طرافًا وأبنية العرب: أخبيتهم ، ومنه بنى على امرأته ، لأنهم كانوا إذا تزوجوا ضربوا عليها خباء جديدًا . فإن قلت: ما معنى إخراج الثمرات بالماء وإنما خرجت بقدرته ومشيئته؟ قلت: المعنى أنه جعل الماء سببًا في خروجها ومادّة لها ، كماء الفحل في خلق الولد ، وهو قادر على أن ينشىء الأجناس كلها بلا أسباب ولا موادّ كما أنشأ نفوس الأسباب والموادّ ، ولكن له في إنشاء الأشياء مدرجًا لها من حال إلى حال ، وناقلًا من مرتبة إلى مرتبة حكمًا ودواعي يجدد فيها لملائكته والنظار بعيون الاستبصار من عباده عبرا وأفكارًا صالحة ، وزيادة طمأنينة ، وسكون إلى عظيم قدرته وغرائب حكمته ، ليس ذلك في إنشائها بغتة من غير تدريج وترتيب . و «من» في { مِنَ الثمرات } للتبعيض بشهادة قوله: