{ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلّ الثمرات } [ الأعراف: 57 ] ، وقوله: { فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ } [ فاطر: 27 ] . ولأنّ المنكرين أعني: ماء ، ورزقًا . يكتنفانه . وقد قصد بتنكيرهما معنى البعضية فكأنه قيل: وأنزلنا من السماء بعض الماء ، فأخرجنا به بعض الثمرات ، ليكون بعض رزقكم . وهذا هو المطابق لصحة المعنى ، لأنه لم ينزل من السماء الماء كله ، ولا أخرج بالمطر جميع الثمرات ، ولا جعل الرزق كله في الثمرات . ويجوز أن تكون للبيان كقولك: أنفقت من الدراهم ألفًا . فإن قلت: فيم انتصب { رِزْقًا } ؟ قلت: إن كانت «من» للتبعيض . كان انتصابه بأنه مفعول له . وإن كانت مبنية ، كان مفعولًا لأخرج . فإن قلت: فالثمر المخرج بماء السماء كثير جمّ فلم قيل الثمرات دون الثمر والثمار؟ قلت: فيه وجهان ، أحدهما أن يقصد بالثمرات جماعة الثمرة التي في قولك: فلان أدركت ثمرة بستانه ، تريد ثماره . ونظيره قولهم: كلمة الحويدرة ، لقصيدته . وقولهم للقرية: المدرة ، وإنما هي مدر متلاحق . والثاني: أنّ الجموع يتعاور بعضها موقع بعض لالتقائها في الجمعية ، كقوله: { كَمْ تَرَكُواْ مِن جنات } [ الدخان: 25 ] و { ثلاثة قُرُوء } [ البقرة: 228 ] . ويعضد الوجه الأوّل قراءة محمد بن السميفع: من الثمرة ، على التوحيد . و { لَكُمُ } صفة جارية على الرزق إن أريد به العين ، وإن جعل اسمًا للمعنى فهو مفعول به ، كأنه قيل: رزقًا إياكم . فإن قلت: بم تعلق { فَلاَ تَجْعَلُواْ } ؟ قلت: فيه ثلاثة أوجه: أن يتعلق بالأمر . أي اعبدوا ربكم فلا تجعلوا له { أَندَادًا } لأنّ أصل العبادة وأساسها التوحيد ، وأن لا تجعل لله ندّ ولا شريك . أو بلعل ، على أن ينتصب تجعلوا انتصاب ، فأطلع في قوله D: { لَّعَلّى أَبْلُغُ الاسباب أسباب السموات فَأَطَّلِعَ إلى إله موسى } [ غافر: 36 37 ] في رواية حفص عن عاصم ، أي خلقكم لكي تتقوا وتخافوا عقابه فلا تشبهوه بخلقه ، أو بالذي جعل لكم ، إذا رفعته على الابتداء ، أي هو الذي خصكم بهذه الآيات العظيمة والدلائل النيرة الشاهدة بالوحدانية ، فلا تتخذوا له شركاء . والند: المثل . ولا يقال إلا للمثل المخالف المناوىء . قال جرير:
أَتَيما يَجْعَلُون إلَيَّ نِدًّا ... وما تَيْمٌ لِذِي حَسَب نَدِيدَا
وناددت الرجل: خالفته ونافرته ، من ندّ ندودًا إذا نفر . ومعنى قولهم: ليس لله ندّ ولا ضدّ نفى ما يسدّه مسدّه ، ونفى ما ينافيه . فإن قلت: كانوا يسمون أصنامهم باسمه ويعظمونها بما يعظم به من القرب ، وما كانوا يزعمون أنها تخالف الله وتناويه . قلت: لما تقرّبوا إليها وعظموها وسموها آلهة ، أشبهت حالهم حال من يعتقد أنها آلهة مثله ، قادرة على مخالفته ومضادّته فقيل لهم ذلك على سبيل التهكم . كما تهكم بهم بلفظ الندّ ، شنع عليهم واستفظع شأنهم بأن جعلوا أندادًا كثيرة لمن لا يصح أن يكون له ندّ قط . وفي ذلك قال زيد بن عمرو بن نفيل حين فارق دين قومه: