أي فإن كون الأمر مشكوكًا فيه مما تقلق له النفس ولا تستقرّ . وكونه صحيحًا صادقًا مما تطمئن له وتسكن . ومنه: ريب الزمان ، وهو ما يقلق النفوس ويشخص بالقلوب من نوائبه . ومنه:
( 11 ) أنه مر بظبي حاقف فقال:"«لا يربه أحد بشيء". فإن قلت: كيف نفى الريب على سبيل الاستغراق؟ وكم من مرتاب فيه؟ قلت: ما نفى أنّ أحد لا يرتاب فيه وإنما المنفي كونه متعلقًا للريب ومظنة له؛ لأنه من وضوح الدلالة وسطوع البرهان بحيث لا ينبغي لمرتاب أن يقع فيه . ألا ترى إلى قوله تعالى: { وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ } [ البقرة: 23 ] ، فما أبعد وجود الريب منهم؟ وإنما عرفهم الطريق إلى مزيل الريب ، وهو أن يحزروا أنفسهم ويروزوا قواهم في البلاغة ، هل تتم للمعارضة أم تتضاءل دونها؟ فيتحققوا عند عجزهم أن ليس فيه مجال للشبهة ولا مدخل للريبة . فإن قلت: فهلا قدّم الظرف على الريب ، كما قدّم على الغَوْل في قوله تعالى: { لاَ فِيهَا غَوْلٌ } [ الصافات: 47 ] ؟ قلت: لأنّ القصد في إيلاء الريب حرف النفي ، نفي الريب عنه ، وإثبات أنه حق وصدق لا باطل وكذب ، كما كان المشركون يدّعونه ، ولو أولى الظرف لقصد إلى ما يبعد عن المراد ، وهو أنّ كتابًا آخر فيه الريب فيه ، كما قصد في قوله: { لاَ فِيهَا غَوْلٌ } تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا بأنها لا تغتال العقول كما تغتالها هي ، كأنه قيل: ليس فيها ما في غيرها من هذا العيب والنقيصة ، وقرأ أبو الشعثاء: { لاَ رَيْبَ فِيهِ } بالرفع: والفرق بينها وبين المشهورة ، أنّ المشهورة توجب الاستغراق ، وهذه تجوّزه . والوقف على { فِيهِ } هو المشهور . وعن نافع وعاصم أنهما وقفا على { لاَ رَيْبَ } ولا بد للواقف من أن ينوي خبرًا . ونظيره قوله تعالى: { قَالُواْ لاَ ضَيْرَ } [ الشعراء: 50 ] ، وقول العرب: لا بأس ، وهي كثيرة في لسان أهل الحجاز . والتقدير: { لاَ رَيْبَ فِيهِ } .
{ فِيهِ هُدًى } الهدى مصدر على فعل ، كالسرى والبكى ، وهو الدلالة الموصلة إلى البغية ، بدليل وقوع الضلالة في مقابلته . قال الله تعالى: { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } [ البقرة: 24 ] . وقال تعالى: { لعلى هُدًى أَوْ فِى ضلال مُّبِينٍ } [ سبأ: 24 ] . ويقال: مهدي ، في موضع المدح كمهتد؛ ولأن اهتدى مطاوع هدى ولن يكون المطاوع في خلاف معنى أصله ألا ترى إلى نحو: غمه فاغتم ، وكسره فانكسر ، وأشباه ذلك: فإن قلت: فلم قيل: { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } والمتقون مهتدون؟ قلت: هو كقولك للعزيز المكرم: أعزك الله وأكرمك ، تريد طلب الزيادة إلى ما هو ثابت فيه واستدامته ، كقوله: { اهدنا الصراط المستقيم } . ووجه آخر ، وهو أنه سماهم عند مشارفتهم لاكتساء لباس التقوى: متقين ، كقول رسول الله A: