فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 3341

( 12 ) "من قتل قتيلًا فله سلبه"وعن ابن عباس:

( 13 ) «إذا أراد أحدكم الحج فليعجل فإنه يمرض المريض وتضل الضالة ، وتكون الحاجة» فسمى المشارف للقتل والمرض والضلال: قتيلًا ومريضًا وضالًا . ومنه قوله تعالى: { وَلاَ يَلِدُواْ إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا } [ نوح: 27 ] ، أي صائرًا إلى الفجور والكفر . فإن قلت: فهلا قيل هدى للضالين؟ قلت: لأن الضالين فريقان: فريق علم بقاؤهم على الضلالة وهم المطبوع على قلوبهم ، وفريق علم أنّ مصيرهم إلى الهدى؛ فلا يكون هدى للفريق الباقين على الضلالة ، فبقى أن يكون هدى لهؤلاء ، فلو جيء بالعبارة المفصحة عن ذلك لقيل: هدى للصائرين إلى الهدى بعد الضلال ، فاختصر الكلام بإجرائه على الطريقة التي ذكرنا ، فقيل: هدى للمتقين . وأيضًا فقد جعل ذلك سلمًا إلى تصدير السورة التي هي أولى الزهراوين وسنام القرآن وأول المثاني ، بذكر أولياء الله والمرتضين من عباده .

والمتقي في اللغة اسم فاعل ، من قولهم: وقاه فاتقى . والوقاية: فرط الصيانة . ومنه: فرس واق ، وهذه الدابة تقي من وجاها ، إذا أصابه ضلع من غلظ الأرض ورقة الحافر ، فهو يقي حافره أن يصيبه أدنى شيء يؤلمه . وهو في الشريعة الذي يقي نفسه تعاطي ما يستحق به العقوبة من فعل أو ترك . واختلف في الصغائر وقيل الصحيح أنه لا يتناولها ، لأنها تقع مكفرة عن مجتنب الكبائر . وقيل: يطلق على الرجل اسم المؤمن لظاهر الحال ، والمتقي لا يطلق إلا عن خبرة ، كما لا يجوز إطلاق لعدل إلا على المختبر .

ومحل { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } الرفع ، لأنه خبر مبتدإ محذوف ، أو خبر مع { لاَ رَيْبَ فِيهِ } لذلك ، أو مبتدأ إذا جعل الظرف المقدّم خبرًا عنه . ويجوز أن ينصب على الحال ، والعامل فيه معنى الإشارة أو الظرف . والذي هو أرسخ عرقًا في البلاغة أن يضرب عن هذه المحال صفحًا . وأن يقال إن قوله: { الم } جملة برأسها ، أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها . و { ذلك الكتاب } جملة ثانية . و { لاَ رَيْبَ فِيهِ } ثالثة . و { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } رابعة . وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة وموجب حسن النظم ، حيث جيء بها متناسقة هكذا من غير حرف نسق ، وذلك لمجيئها متآخية آخذًا بعضها بعنق بعض . فالثانية متحدة بالأولى معتنقة لها ، وهلم جرًا إلى الثالثة والرابعة . بيان ذلك أنه نبه أولًا على أنه الكلام المتحدّى به ، ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال . فكان تقريرًا لجهة التحدي ، وشدًّا من أعضاده . ثم نفى عنه أن يتشبث به طرف من الريب ، فكان شهادة وتسجيلًا بكماله ، لأنه لا كمال أكمل مما للحق واليقين ، ولا نقص أنقص مما للباطل والشبهة . وقيل لبعض العلماء: فيم لذتك؟ فقال: في حجة تتبختر اتضاحًا ، وفي شبهة تتضاءل افتضاحًا . ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين ، فقرّر بذلك كونه يقينًا لا يحوم الشك حوله ، وحقًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . ثم لم تخل كل واحدة من الأربع ، بعد أن رتبت هذا الترتيب الأنيق ، ونظمت هذا النظم السري ، من نكتة ذات جزالة . ففي الأولى الحذف والرمز إلى الغرض بألطف وجه وأرشقه . وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة . وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف . وفي الرابعة الحذف . ووضع المصدر الذي هو { هُدًى } موضع الوصف الذي هو «هاد» وإيراده منكرًا . والإيجاز في ذكر المتقين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت