فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 3341

{ بَلْدَةً مَّيْتًا } [ الفرقان: 49 ] ، { وَءايَةٌ لَّهُمُ الارض الميتة } [ يس: 33 ] ، { أموات غَيْرُ أَحْيَاء } [ النحل: 21 ] . ويجوز أن يكون استعارة لاجتماعهما في أن لا روح ولا إحساس ، فإن قلت: ما المراد بالإحياء الثاني؟ قلت: يجوز أن يراد به الإحياء في القبر: وبالرجوع: النشور . وأن يراد به النشور ، وبالرجوع: المصير إلى الجزاء . فإن قلت: لم كان العطف الأوّل بالفاء والإعقاب بثم؟ قلت: لأنّ الإحياء الأوّل قد تعقب الموت بغير تراخ ، وأما الموت فقد تراخى عن الإحياء . والإحياء الثاني كذلك متراخ عن الموت إن أريد به النشور تراخيا ظاهرًا . وإن أريد به إحياء القبر فمنه يكتسب العلم بتراخيه والرجوع إلى الجزاء أيضًا متراخ عن النشور . فإن قلت: من أين أنكر اجتماع الكفر مع القصة التي ذكرها الله ، ألأنها مشتملة على آيات بينات تصرفهم عن الكفر ، أم على نعم جسام حقها أن تشكر ولا تكفر؟ قلت: يحتمل الأمرين جميعًا ، لأنّ ما عدّده آيات وهي مع كونها آيات من أعظم النعم . { قبلكمْ } لأجلكم ولانتفاعكم به في دنياكم ودينكم . أما الانتفاع الدنيوي فظاهر . وأمّا الانتفاع الديني فالنظر فيه وما فيه من عجائب الصنع الدالة على الصانع القادر الحكيم ، وما فيه من التذكير بالآخرة وبثوابها وعقابها ، لاشتماله على أسباب الأنس واللذة من فنون المطاعم والمشارب والفواكه والمناكح والمراكب والمناظر الحسنة البهية ، وعلى أسباب الوحشة والمشقة من أنواع المكاره كالنيران والصواعق والسباع والأحناش والسموم والغموم والمخاوف . وقد استدل بقوله: { خَلَقَ لَكُمْ } على أنّ الأشياء التي يصح أن ينتفع بها ولم تجر مجرى المحظورات في العقل خلقت في الأصل مباحة مطلقًا لكل أحد أن يتناولها ويستنفع بها . فإن قلت: هل لقول من زعم أنّ المعنى خلق لكم الأرض وما فيها وجه صحة؟ قلت: إن أراد بالأرض الجهات السفلية دون الغبراء كما تذكر السماء وتراد الجهات العلوية: جاز ذلك ، فإنّ الغبراء وما فيها واقعة في الجهات السفلية . و { جَمِيعًا } نصب على الحال من الموصول الثاني . والاستواء: الاعتدال والاستقامة . يقال: استوى العود وغيره ، إذا قام واعتدل ، ثم قيل: استوى إليه كالسهم المرسل إذا قصده قصدًا مستويًا ، من غير أن يلوي على شيء . ومنه استعير قوله: { ثُمَّ استوى إِلَى السماء } ، أي قصد إليها بإرادته ومشيئته بعد خلق ما في الأرض ، من غير أن يريد فيما بين ذلك خلق شيء آخر . والمراد بالسماء جهات العلو ، كأنه قيل: ثم استوى إلى فوق . والضمير في { فَسَوَّاهُنَّ } ضمير مبهم . و { سَبْعَ سماوات } تفسيره ، كقولهم: ربه رجلًا . وقيل: الضمير راجع إلى السماء . والسماء في معنى الجنس . وقيل: جمع سماءة ، والوجه العربي هو الأوّل . ومعنى تسويتهنّ: تعديل خلقهنّ ، وتقديمه ، وإخلاؤه من العوج والفطور ، أو إتمام خلقهنّ { وَهُوَ بِكُلّ شَىْءٍ عَلِيمٌ } فمن ثم خلقهنّ خلقًا مستويًا محكمًا من غير تفاوت ، مع خلق ما في الأرض على حسب حاجات أهلها ومنافعهم ومصالحهم ، فإن قلت: ما فسرت به معنى الاستواء إلى السماء يناقضه ( ثم ) لإعطائه معنى التراخي والمهلة قلت: ( ثم ) ههنا لما بين الخلقين من التفاوت وفضل خلق السموات على خلق الأرض ، لا للتراخي في الوقت كقوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت