فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 3341

( 17 ) «اعف عنه يا رسول الله واصفح ، فوالله لقد أعطاك الله الذي أعطاك ، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يعصبوه بالعصابة فلما ردّ الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك» . أو يراد ما تداخل قلوبهم من الضعف والجبن والخور ، لأن قلوبهم كانت قوية ، إما لقوة طمعهم فيما كانوا يتحدثون به: أن ريح الإسلام تهب حينًا ثم تسكن ولواءه يخفق أيامًا ثم يقرّ ، فضعفت حين ملكها اليأس عند إنزال الله على رسوله النصر وإظهار دين الحق على الدين كله . وإما لجراءتهم وجسارتهم في الحروب فضعفت جبنًا وخورًا حين قذف الله في قلوبهم الرعب وشاهدوا شوكة المسلمين وإمداد الله لهم بالملائكة . قال رسول الله A:

( 18 ) "نصرت بالرعب مسيرة شهر"ومعنى زيادة الله إياهم مرضًا أنه كلما أنزل على رسوله الوحي فسمعوه كفروا به فازدادوا كفرًا إلى كفرهم ، فكأن الله هو الذي زادهم ما ازدادوه إسنادًا للفعل إلى المسبب له ، كما أسنده إلى السورة في قوله: { فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ } [ التوبة: 125 ] لكونها سببًا . أو كلما زاد رسوله نصرة وتبسطًا في البلاد ونقصًا من أطراف الأرض ازدادوا حسدًا وغلا وبغضًا وازدادت قلوبهم ضعفًا وقلة طمع فيما عقدوا به رجاءهم وجبنًا وخورًا . ويحتمل أن يراد بزيادة المرض الطبع . وقرأ أبو عمر في رواية الأصمعي: مرْض ، ومرْضًا ، بسكون الراء؛

يقال: ألم فهو { أَلِيمٌ } كوجع فهو وجيع ووصف العذاب به نحو قوله:

تحِيَّةُ بَيْنَهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ ... وهذا على طريقة قولهم: جدّ جدّه . والألم في الحقيقة للمؤلم كما أنّ الجدّ للجادّ .

والمراد بكذبهم قولهم آمنا بالله وباليوم الآخر . وفيه رمز إلى قبح الكذب وسماجته ، وتخييل أن العذاب الأليم لاحق بهم من أجل كذبهم . ونحوه قوله تعالى: { مّمَّا خطيئاتهم أُغْرِقُواْ } [ نوح: 71 ] والقوم كفرة . وإنما خصت الخطيآت استعظامًا لها وتنفيرًا عن ارتكابها . والكذب: الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو به وهو قبيح كله . وأمَّا مًَا يروى عن إبراهيم عليه السلام .

( 19 ) «أنه كذب ثلاث كذبات» . فالمراد التعريض . ولكن لما كانت صورته صورة الكذب سمى به . وعن أبي بكر Bه وروى مرفوعًا:

( 20 ) "إياكم والكذب فإنه مجانب للإيمان"وقرىء؛ «يكذبون» ، من كذبه الذي هو نقيض صدقه؛ أو من كذّب الذي هو مبالغة في كذب ، كما بولغ في صدق فقيل: صدّق . ونظيرهما: بان الشيء وبين ، وقلص الثوب وقلص . أو بمعنى الكثرة كقولهم: موتت البهائم ، وبركت الإبل ، أو من قولهم: كذب الوحشي إذا جرى شوطًا ثم وقف لينظر ما وراءه؛ لأن المنافق متوقف متردّد في أمره ، ولذلك قيل له مذبذب . وقال عليه السلام:

( 21 ) "مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين ، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت