ولكن السبب فيه ما علمه تعالى من المصلحة . فإن قلت: ما المراد بقوله: { وَمَا يَخادعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ } ؟ قلت: يجوز أن يراد: وما يعاملون تلك المعاملة المشبهة بمعاملة المخادعين إلا أنفسهم لأن ضررها يلحقهم ، ومكرها يحيق بهم ، كما تقول: فلان يضارّ فلانًا وما يضارّ إلا نفسه ، أي: دائرة الضرار راجعة إليه وغير متخطية إياه ، وأن يراد حقيقة المخادعة أي: وهم في ذلك يخدعون أنفسهم حيث يمنونها الأباطيل ويكذبونها فيما يحدثونها به ، وأنفسهم كذلك تمنيهم وتحدّثهم بالأماني ، وأن يراد: وما يخدعون فجيء به على لفظ «يفاعلون» للمبالغة . وقرىء: «وما يخدعون» ، ويخدعون من خدع . ويخدعون - بفتح الياء - بمعنى يخدعون . ويخدعون . ويخادعون على لفظ ما لم يسم فاعله . والنفس: ذات الشيء وحقيقته . يقال عندي كذا نفسًا . ثم قيل للقلب: نفس؛ لأن النفس به . ألا ترى إلى قولهم: المرء بأصغريه . وكذلك بمعنى الروح ، وللدم نفس؛ لأن قوامها بالدم . وللماء نفس؛ لفرط حاجتها إليه . قال الله تعالى: { وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَىْء حَي } [ الأنبياء: 30 ] وحقيقة نفس الرجل بمعنى عين أصيبت نفسه ، كقولهم: فلان يؤامر نفسيه - إذا تردّد في الأمر اتجه له رأيان وداعيان لا يدري على أيهما يعرج كأنهم أرادوا داعيي النفس ، وهاجسي النفس فسموهما: نفسين ، إما لصدورهما عن النفس ، وإما لأن الداعيين لما كانا كالمشيرين عليه والآمرين له ، شبهوهما بذاتين فسموهما نفسين . والمراد بالأنفس ههنا ذواتهم . والمعنى بمخادعتهم ذواتهم؛ أن الخداع لاصق بهم لا يعدوهم إلى غيرهم ولا يتخطاهم إلى من سواهم . ويجوز أن يراد قلوبهم ودواعيهم وآراؤهم .
والشعور علم الشيء علم حس من الشعار . ومشاعر الإنسان: حواسه . والمعنى أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس ، وهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حسّ له .
واستعمال المرض في القلب يجوز أن يكون حقيقة ومجازًا ، فالحقيقة أن يراد الألم كما تقول: في جوفه مرض . والمجاز أن يستعار لبعض أعراض القلب ، كسوء الاعتقاد ، والغل ، والحسد والميل إلى المعاصي ، والعزم عليها ، واستشعار الهوى ، والجبن ، والضعف ، وغير ذلك مما هو فساد وآفة شبيهة بالمرض كما استعيرت الصحة والسلامة في نقائض ذلك . والمراد به هنا ما في قلوبهم من سوء الاعتقاد والكفر ، أو من الغل والحسد والبغضاء ، لأن صدورهم كانت تغلى على رسول الله A والمؤمنين غلا وحنقًا ويبغضونهم البغضاء التي وصفها الله تعالى في قوله: { قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ } [ آل عمران: 118 ] ويتحرقون عليهم حسدًا { إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ } [ آل عمران: 120 ] وناهيك مما كان من ابن أبيّ وقول سعد بن عبادة لرسول الله A: