وصورة صنع الله معهم -حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده في عداد شرار الكفرة وأهل الدرك الأسفل من النار - صورة صنع الخادع ، وكذلك صورة صنع المؤمنين معهم حيث امتثلوا أمر الله فيهم فأجروا أحكامهم عليهم . والثاني: أن يكون ذلك ترجمة عن معتقدهم وظنهم أن الله ممن يصح خداعه؛ لأن من كان ادعاؤه الإيمان بالله نفاقًا لم يكن عارفًا بالله ولا بصفاته ، ولا أن لذاته تعلقًا بكل معلوم ، ولا أنه غني عن فعل القبائح؛ فلم يبعد من مثله تجويز أن يكون الله في زعمه مخدوعًا ومصابًا بالمكروه من وجه خفي ، وتجويز أن يدلس على عباده ويخدعهم . والثالث: أن يذكر الله تعالى ويراد الرسول A ؛ لأنه خليفته في أرضه ، والناطق عنه بأوامره ونواهيه مع عباده ، كما يقال: قال الملك كذا ورسم كذا؛ وإنما القائل والراسم وزيره أو بعض خاصته الذين قولهم قوله ورسمهم رسمه . مصداقه قوله: { إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [ الفتح: 10 ] وقوله: { مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله } [ النساء: 80 ] . والرابع: أن يكون من قولهم: أعجبني زيد وكرمه ، فيكون المعنى يخادعون الذين آمنوا بالله . وفائدة هذه الطريقة قوة الاختصاص ، ولما كان المؤمنون من الله بمكان ، سلك بهم ذلك المسلك . ومثله: { والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } [ التوبة: 62 ] وكذلك: { إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ } [ الأحزاب: 57 ] ونظيره في كلامهم: علمت زيدًا فاضلًا ، والغرض فيه ذكر إحاطة العلم بفضل زيد لا به نفسه؛ لأنه كان معلومًا له قديمًا؛ كأنه قيل: علمت فضل زيد؛ ولكن ذكر زيد توطئة وتمهيد لذكر فضله . فإن قلت: هل للاقتصار بخادعت على واحد وجه صحيح؟ قلت: وجهه أن يقال: عنى به «فعلت» إلا أنه أخرج في زنة «فاعلت» لأن الزنة في أصلها للمغالبة والمباراة ، والفعل متى غولب فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده من غير مغالب ولا مبار لزيادة قوة الداعي إليه . ويعضده قراءة من قرأ: { يخادعون الله والذين ءامَنُوا } وهو أبو حيوة . و { يخادعون } بيان ليقول . ويجوز أن يكون مستأنفًا كأنه قيل: ولم يدعون الإيمان كاذبين وما رفقهم في ذلك؟ فقيل يخادعون . فإن قلت: عمّ كانوا يخادعون؟ قلت: كانوا يخادعونهم عن أغراض لهم ومقاصد منها متاركتهم وإعفاؤهم عن المحاربة ، وعما كانوا يطرقون به من سواهم من الكفار . ومنها اصطناعهم بما يصطنعون به المؤمنين من إكرامهم والإحسان إليهم وإعطائهم الحظوظ من المغانم ونحو ذلك من الفوائد ، ومنها اطلاعهم - لاختلاطهم بهم - على الأسرار التي كانوا حراصًا على إذاعتها إلى منابذيهم . فإن قلت: فلو أظهر عليهم حتى لا يصلوا إلى هذه الأغراض بخداعهم عنها . قلت: لم يظهر عليهم لما أحاط به علمًا من المصالح التي لو أظهر عليهم لانقلبت مفاسد واستبقاء إبليس وذرّيته ومتاركتهم وما هم عليه من إغواء المنافقين وتلقينهم النفاق أشدّ من ذلك .