فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 3341

[ التوبة: 30 ] . وكذلك إيمانهم باليوم الآخر ، لأنهم يعتقدونه على خلاف صفته ، فكان قولهم: { ءَامَنَّا بالله وباليوم الأخر } خبثًا مضاعفًا وكفرًا موجهًا ، لأن قولهم هذا لو صدر عنهم لا على وجه النفاق وعقيدتهم عقيدتهم ، فهو كفر لا إيمان . فإذا قالوه على وجه النفاق خديعة للمسلمين واستهزاء بهم ، وأروهم أنهم مثلهم في الإيمان الحقيقي ، كان خبثًا إلى خبث ، وكفرًا إلى كفر . وأيضًا فقد أوهموا في هذا المقال أنهم اختاروا الإيمان من جانبيه ، واكتنفوه من قطريه ، وأحاطوا بأوّله وآخره . وفي تكرير الباء أنهم ادعوا كل واحد من الإيمانين على صفة الصحة والاستحكام . فإن قلت: كيف طابق قوله: { وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } قولهم: { ءَامَنَّا بالله وباليوم الأخر } والأول في ذكر شأن الفعل لا الفاعل ، والثاني في ذكر شأن الفاعل لا الفعل؟ قلت: القصد إلى إنكار ما ادعوه ونفيه ، فسلك في ذلك طريق أدّى إلى الغرض المطلوب . وفيه من التوكيد والمبالغة ما ليس في غيره ، وهو إخراج ذواتهم وأنفسهم من أن تكون طائفة من طوائف المؤمنين ، لما علم من حالهم المنافية لحال الداخلين في الإيمان . وإذا شهد عليهم بأنهم في أنفسهم على هذه الصفة ، فقد انطوى تحت الشهادة عليهم بذلك نفى ما انتحلوا إثباته لأنفسهم على سبيل البت والقطع . ونحوه قوله تعالى: { يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النار وَمَا هُم بخارجين مِنْهَا } [ المائدة: 37 ] هو أبلغ من قولك: وما يخرجون منها . فإن قلت: فلم جاء الإيمان مطلقًا في الثاني وهو مقيد في الأوّل؟ قلت: يحتمل أن يراد التقييد ويترك لدلالة المذكور عليه ، وأن يراد بالإطلاق أنهم ليسوا من الإيمان في شيء قط ، لا من الإيمان بالله وباليوم الآخر ، ولا من الإيمان بغيرهما . فإن قلت: ما المراد باليوم الآخر؟ قلت: يجوز أن يراد به الوقت الذي لا حدّ له وهو الأبد الدائم الذي لا ينقطع ، لتأخره عن الأوقات المنقضية . وأن يراد الوقت المحدود من النشور إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ، لأنه آخر الأوقات المحدودة الذي لا حدّ للوقت بعده .

والخدع: أن يوهم صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه . من قولهم: ضب خادع وخدع ، إذا أمر الحارش يده على باب جحره أوهمه إقباله عليه ، ثم خرج من باب آخر . فإن قلت: كيف ذلك ومخادعة الله والمؤمنين لا تصح لأن العالم الذي لا تخفى عليه خافية لا يخدع ، والحكيم الذي لا يفعل القبيح لا يخدع ، والمؤمنون وإن جاز أن يخدعوا لم يجز أن يخدعوا ، ألا نرى إلى قوله:

واستمطروا مِنْ قُرَيْشٍ كلَّ مِنْخدِعِ ... وقول ذي الرمّة:

إنَّ الحَليمَ وذَا الإِسْلامِ يُخْتَلَبُ ... فقد جاء النعت بالانخداع ولم يأت بالخدع . قلت: فيه وجوه . أحدها: أن يقال كانت صورة صنعهم مع الله حيث يتظاهرون بالإيمان وهم كافرون ، صورة صنع الخادعين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت