فَلاَ وَأَبِي الطَّيْرِ المُرِبَّةِ بالضُّحَى ... عَلى خالِدٍ لَقدْ وَقَعتِ على لَحَم
والنون في { مِّن رَّبِّهِمْ } أدغمت بغنة وبغير غنة ، فالكسائي ، وحمزة ، ويزيد ، وورش في رواية والهاشمي عن ابن كثير لم يغنوها . وقد أغنها الباقون إلا أبا عمرو . فقد روى عنه فيها روايتان .
وفي تكرير { أولئك } تنبيه على أنهم كما ثبتت لهم الأثرة بالهدى ، فهي ثابتة لهم بالفلاح؛ فجعلتْ كلّ واحدة من الأثرتين في تمييزهم بالمثابة التي لو انفردت كفت مميزة على حيالها . فإن قلت: لم جاء مع العاطف؟ وما الفرق بينه وبين قوله { أولئك كالانعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ ، أولئك هُمُ الغافلون } [ الأعراف: 179 ] ؟ قلت: قد اختلف الخبران ههنا فلذلك دخل العاطف ، بخلاف الخبرين ثمة فإنهما متفقان؛ لأن التسجيل عليهم بالغفلة وتشبيههم بالبهائم شيء واحد ، فكانت الجملة الثانية مقرّرة لما في الأولى فهي من العطف بمعزل .
و { هُمْ } فصل: وفائدته: الدلالة على أن الوارد بعده خبر لا صفة ، والتوكيد ، وإيجاب أن فائدة المسند ثابتة للمسند إليه دون غيره . أو هو مبتدأ والمفلحون خبره ، والجملة خبر أولئك .
ومعنى التعريف في { المفلحون } : الدلالة على أن المتقين هم الناس الذين عنهم بلغك أنهم يفلحون في الآخرة كما إذا بلغك أن إنسانًا قد تاب من أهل بلدك ، فاستخبرت من هو؟ فقيل زيد التائب ، أي هو الذي أخبرت بتوبته . أو على أنهم الذين إن حصلت صفة المفلحين وتحققوا ما هم ، وتصوّروا بصورتهم الحقيقة ، فهم هم لا يعدون تلك الحقيقة . كما تقول لصاحبك: هل عرفت الأسد وما جبل عليه من فرط الإقدام؟ إن زيدًا هو هو . فانظر كيف كرّر الله عزّ وجلّ التنبيه على اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله أحد على طرق شتى ، وهي: ذكر اسم الإشارة ، وتكريره ، وتعريف المفلحين ، وتوسيط الفصل بينه وبين أولئك؛ ليبصرك مراتبهم ويرغبك في طلب ما طلبوا ، وينشطك لتقديم ما قدموا ، ويثبطك عن الطمع الفارغ والرجاء الكاذب والتمني على الله ما لا تقتضيه حكمته ولم تسبق به كلمته . اللهمّ زينا بلباس التقوى ، واحشرنا في زمرة من صدرت بذكرهم سورة البقرة . والمفلح: الفائز بالبغية كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر ولم تستغلق عليه . والمفلج بالجيم مثله . ومنه قولهم للمطلقة: استفلحي بأمرك بالحاء والجيم . والتركيب دال على معنى الشق والفتح ، وكذلك أخواته في الفاء والعين ، نحو: فلق ، وفلذ ، وفلى .