فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 3341

[ الجمعة: 5 ] ، وقوله: { يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت } [ محمد: 20 ] . ووقود النار: سطوعها وارتفاع لهبها . ومن أخواته: وقل في الجبل إذا صعد وعلا ، والنار: جوهر لطيف مضيء حارّ محرق . والنور: ضوءها وضوء كل نير ، وهو نقيض الظلمة . واشتقاقها من نار ينور إذا نفر؛ لأنّ فيها حركة واضطرابًا ، والنور مشتق منها . والإضاءة: فرط الإنارة . ومصداق ذلك قوله: { هُوَ الذى جَعَلَ الشمس ضِيَاء والقمر نُورًا } [ يونس: 5 ] ، وهي في الآية متعدية . ويحتمل أن تكون غير متعدية مسندة إلى ما حوله . والتأنيث للحمل على المعنى؛ لأنّ ما حول المستوقد أماكن وأشياء . ويعضده قراءة ابن أبي عبلة «ضاءت» . وفيه وجه آخر ، وهو أن يستتر في الفعل ضمير النار . ويجعل إشراق ضوء النار حوله بمنزلة إشراق النار نفسها ، على أنّ ما مزيدة أو موصولة في معنى الأمكنة . و { حَوْلَهُ } نصب على الظرف وتأليفه للدوران والإطافة . وقيل للعام: حول؛ لأنه يدور . فإن قلت: أين جواب لما؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما أن جوابه { ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ } . والثاني: أنه محذوف كما حذف في قوله: { فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ } [ يوسف: 15 ] . وإنما جاز حذفه لاستطالة الكلام مع أمن الإلباس للدالّ عليه ، وكان الحذف أولى من الإثبات لما فيه من الوجازة ، مع الإعراب عن الصفة التي حصل عليها المستوقد بما هو أبلغ من اللفظ في أداء المعنى ، كأنه قيل: فلما أضاءت ما حوله خمدت فبقوا خابطين في ظلام ، متحيرين متحسرين على فوت الضوء ، خائبين بعد الكدح في إحياء النار . فإن قلت: فإذا قدّر الجواب محذوفًا فبم يتعلق { ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ } ؟ قلت: يكون كلامًا مستأنفًا . كأنهم لما شبهت حالهم بحال المستوقد الذي طفئت ناره ، اعترض سائل فقال: ما بالهم قد أشبهت حالهم حال هذا المستوقد؟ فقيل له: ذهب الله بنورهم . أو يكون بدلًا من جملة التمثيل على سبيل البيان . فإن قلت: قد رجع الضمير في هذا الوجه إلى المنافقين فما مرجعه في الوجه الثاني؟ قلت: مرجعه الذي استوقد؛ لأنه في معنى الجمع . وأما جمع هذا الضمير وتوحيده في { حَوْلَهُ } ، فللحمل على اللفظ تارة ، وعلى المعنى أخرى . فإن قلت: فما معنى إسناد الفعل إلى الله تعالى في قوله: { ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ } ؟ قلت: إذا طفئت النار بسبب سماوي ريح أو مطر ، فقد أطفأها الله تعالى وذهب بنور المستوقد . ووجه آخر ، وهو أن يكون المستوقد في هذا الوجه مستوقد نار لا يرضاها الله . ثم إما أن تكون نارًا مجازية كنار الفتنة والعداوة للإسلام ، وتلك النار متقاصرة مدّة اشتعالها قليلة البقاء . ألا ترى إلى قوله: { كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله } [ المائدة: 64 ] ، وإما نارًا حقيقية أوقدها الغواة ليتوصلوا بالاستضاءة بها إلى بعض المعاصي ، ويتهدوا بها في طرق العبث ، فأطفأها الله وخيب أمانيهم . فإن قلت: كيف صح في النار المجازية أن توصف بإضاءة ما حول المستوقد؟ قلت: هو خارج على طريقة المجاز المرشح فأحسن تدبره .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت