فإن قلت: هلا قيل ذهب الله بضوئهم؟ لقوله: { فَلَمَّا أَضَاءتْ } ؟ قلت: ذكر النور أبلغ؛ لأنّ الضوء فيه دلالة على الزيادة . فلو قيل: ذهب الله بضوئهم ، لأوهم الذهاب بالزيادة وبقاء ما يسمى نورًا ، والغرض إزالة النور عنهم رأسًا وطمسه أصلًا . ألا ترى كيف ذكر عقيبه { وَتَرَكَهُمْ فِي ظلمات } والظلمة عبارة عن عدم النور وانطماسه ، وكيف جمعها ، وكيف نكرها ، وكيف أتبعها ما يدل على أنها ظلمة مبهمة لا يتراءى فيها شبحان وهو قوله: { لاَّ يُبْصِرُونَ } . فإن قلت: فلم وصفت بالإضاءة؟ قلت: هذا على مذهب قولهم: للباطل صولة ثم يضمحل . ولريح الضلالة عصفة ثم تخفت ، ونار العرفج مثل لنزوة كل طماح . والفرق بين أذهبه وذهب به ، أن معنى أذهبه: أزاله وجعله ذاهبًا . ويقال: ذهب به إذا استصحبه ومضى به معه . وذهبت السلطان بماله: أخذه ( فلما ذهبوا به ) ، { إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ } [ المؤمنون: 91 ] . ومنه: ذهب به الخيلاء . والمعنى: أخذ الله نورهم وأمسكه ، { وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ } [ فاطر: 2 ] فهو أبلغ من الإذهاب . وقرأ اليماني: أذهب الله نورهم . وترك: بمعنى طرح وخلى ، إذا علق بواحد ، كقولهم: تركه ترك ظبي ظله . فإذا علق بشيئين كان مضمنًا معنى صير ، فيجري مجرى أفعال القلوب كقول عنترة:
فَتَرَكْتُهُ جَزَرَ السِّبَاعِ يَنُشْنَهُ ... ومنه قوله: { وَتَرَكَهُمْ فِي ظلمات } أصله: هم في ظلمات ، ثم دخل ترك فنصب الجزأين . والظلمة عدم النور . وقيل: عرض ينافي النور . واشتقاقها من قولهم: ما ظلمك أن تفعل كذا: أي ما منعك وشغلك ، لأنها تسدّ البصر وتمنع الرؤية . وقرأ الحسن «ظلمات» بسكون اللام وقرأ اليماني «في ظُلمة» على التوحيد . والمفعول الساقط من { لاَّ يُبْصِرُونَ } من قبيل المتروك المطرح الذي لا يلتفت إلى إخطاره بالبال ، لا من قبيل المقدر المنوى ، كأنّ الفعل غير متعدّ أصلًا ، نحو { يَعْمَهُونَ } في قوله: { وَيَذَرُهُمْ فِى طغيانهم يَعْمَهُونَ } [ الأعراف: 186 ] . فإن قلت: فيم شبهت حالهم بحال المستوقد؟ قلت: في أنهم غب الإضاءة خبطوا في ظلمة وتورّطوا في حيرة . فإن قلت: وأين الإضاءة في حال المنافق؟ وهل هو أبدًا إلا حائر خابط في ظلماء الكفر؟ قلت: المراد ما استضاءوا به قليلًا من الانتفاع بالكلمة المجراة على ألسنتهم ، ووراء استضاءتهم بنور هذه الكلمة ظلمة النفاق التي ترمي بهم إلى ظلمة سخط الله وظلمة العقاب السرمد . ويجوز أن يشبه بذهاب الله بنور المستوقد اطلاع الله على أسرارهم وما افتضحوا به بين المؤمنين واتسموا به من سمة النفاق . والأوجه أن يراد الطبع ، لقوله: { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ } . وفي الآية تفسير آخر: وهو أنهم لما وصفوا بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى ، عقب ذلك بهذا التمثيل ليمثل هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة ما حول المستوقد ، والضلالة التي اشتروها وطبع بها على قلوبهم بذهاب الله بنورهم وتركه إياهم في الظلمات .