فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 3341

وتنكير النار للتعظيم . كانت حواسهم سليمة ولكن لما سدّوا عن الإصاخة إلى الحق مسامعهم ، وأبوا أن ينطقوا به ألسنتهم ، وأن ينظروا ويتبصروا بعيونهم جعلوا كأنما أيفت مشاعرهم وانتقضت بناها التي بنيت عليها للإحساس والإدراك كقوله:

صُم إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِه ... وإنْ ذُكِرْتُ بُسوءٍ عِنْدَهُمْ أَذِنُوا

أَصَمُّ عَمَّا سَاءَهُ سَمِيعُأ ... َصَمُّ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي لا أرِيدُهُ ... واسمع خلق الله حين أريد ف

أصَممت عمرًا وأعميته ... عَنِ الجُودِ والفَخْرِ يَوْمَ الفَخَار

فإن قلت: كيف طريقته عند علماء البيان؟ قلت: طريقة قولهم «هم ليوث» للشجعان ، وبحور للأسخياء . إلا أنّ هذا في الصفات ، وذاك في الأسماء ، وقد جاءت الاستعارة في الأسماء والصفات والأفعال جميعًا . تقول: رأيت ليوثًا ، ولقيت صمًا عن الخير ، ودجا الإسلام . وأضاء الحق . فإن قلت: هل يسمى ما في الآية استعارة؟ قلت: مختلف فيه . والمحققون على تسميته تشبيهًا بليغًا لا استعارة؛ لأنّ المستعار له مذكور وهم المنافقون . والاستعارة إنما تطلق حيث يطوى ذكر المستعار له ، ويجعل الكلام خلوًا عنه صالحًا لأن يراد به المنقول عنه والمنقول إليه ، لولا دلالة الحال أو فحوى الكلام ، كقول زهير:

لَدَى أَسَدٍ شَاكِي السِّلاَحِ مُقَذَّفٍ ... لَهُ لِبَدٌ أَظْفَارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ

ومن ثم ترى المفلقين السحرة منهم كأنهم يتناسون التشبيه ويضربون عن توهمه صفحًا . قال أبو تمام:

ويُصْعِدُ حتَّي يَظُنَّ الجَهُولُ ... بأَنَّ لهُ حَاجَةً في السَّمَاءْ

وبعضهم:

لا تَحْسَبُوا أَنَّ في سِرْبَالِهِ رَجُلًا ... ففِيهِ غَيْثٌ وَلَيْثٌ مُسْبِلٌ مُشْبِل

وليس لقائل أن يقول: طوى ذكرهم عن الجملة بحذف المبتدأ فأتسلق بذلك إلى تسميته استعارة لأنه في حكم المنطوق به ، نظيره قول من يخاطب الحجاج:

أَسَدٌ عَلَيَّ وفي الحُرُوبِ نَعَامَةٌ ... فَتْخاءُ تَنْفُرُ مِنْ صَفِيرِ الصَّافِرِ

ومعنى { لاَ يَرْجِعُونَ } أنهم لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه ، أو عن الضلالة بعد أن اشتروها ، تسجيلًا عليهم بالطبع ، أو أراد أنهم بمنزلة المتحيرين الذين بقوا جامدين في مكانهم لا يبرحون ، ولا يدرون أيتقدّمون أم يتأخرون؟ وكيف يرجعون إلى حيث ابتدءوا منه؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت