( والضلالة ) الجور عن القصد وفقد الاهتداء . يقال: ضلّ منزله ، وضل دريص نفقه فاستعير للذهاب عن الصواب في الدين . والربح: الفضل على رأس المال ، ولذلك سمي: الشف ، من قولك: أشف بعض ولده على بعض ، إذا فضله . ولهذا على هذا شف . والتجارة: صناعة التاجر ، وهو الذي يبيع ويشتري للربح . وناقة تاجرة: كأنها من حسنها وسمنها تبيع نفسها . وقرأ ابن أبي عبلة «تجاراتهم» . فإن قلت: كيف أسند الخسران إلى التجارة وهو لأصحابها؟ قلت: هو من الإسناد المجازي ، وهو أن يسند الفعل إلى شيء يتلبس بالذي هو في الحقيقة له ، كما تلبست التجارة بالمشترين . فإن قلت: هل يصح: ربح عبدك وخسرت جاريتك ، على الإسناد المجازي؟ قلت: نعم إذا دلت الحال . وكذلك الشرط في صحة: رأيت أسدًا ، وأنت تريد المقدام؛ إن لم تقم حال دالة لم يصح . فإن قلت: هب أنّ شراء الضلالة بالهدى وقع مجازًا في معنى الاستبدال ، فما معنى ذكر الربح والتجارة؟ كأن ثمّ مبايعة على الحقيقة . قلت: هذا من الصنعة البديعة التي تبلغ بالمجاز الذروة العليا ، وهو أن تساق كلمة مساق المجاز ، ثم تقفى بأشكال لها وأخوات ، إذا تلاحقن لم تر كلامًا أحسن منه ديباجة وأكثر ماء ورونقًا ، وهو المجاز المرشح . وذلك نحو قول العرب في البليد: كأن أذني قلبه خطلًا ، وإن جعلوه كالحمار ، ثم رشحوا ذلك روما لتحقيق البلادة ، فادعوا لقلبه أذنين ، وادعوا لهما الخطل ، ليمثلوا البلادة تمثيلًا يلحقها ببلادة الحمار مشاهدة معاينة . ونحوه
ولَما رَأَيْتُ النَّسْرَ عَزَّ ابْنَ دَأَيَةٍ ... وعَشَّشَ في وَكْرَيْهِ جَاشَ لهُ صَدْرِي
لما شبه الشيب بالنسر ، والشعر الفاحم بالغراب ، أتبعه ذكر التعشيش والوكر . ونحوه قول بعض فتاكهم في أمّه:
فما أُمُّ الرّدين وإنْ أَدَلَّتْ ... بِعالِمَةٍ بأَخْلاقِ الْكِرَامِ
إذَا الشّيْطانُ قَصعَ في قَفَاها ... تَنفّقْناهُ بالحُبلِ التُّوَامِ
أي إذا دخل الشيطان في قفاها استخرجناه من نافقائه بالحبل المثنى المحكم . يريد: إذا حردت وأساءت الخلق اجتهدنا في إزالة غضبها وإماطة ما يسوء من خلقها . استعار التقصيع أوّلًا ، ثم ضم إليه التنفق ، ثم الحبل التوام . فكذلك لما ذكر سبحانه الشراء أتبعه ما يشاكله ويواخيه وما يكمل ويتم بانضمامه إليه ، تمثيلًا لخسارهم وتصويرًا لحقيقته . فإن قلت: فما معنى قوله { فَمَا رَبِحَت تجارتهم وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } . قلت: معناه أنّ الذي يطلبه التجار في متصرفاتهم شيئان: سلامة رأس المال ، والربح . وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين معًا ، لأن رأس مالهم كان هو الهدى ، فلم يبق لهم مع الضلالة . وحين لم يبق في أيديهم إلا الضلالة ، لم يوصفوا بإصابة الربح . وإن ظفروا بما ظفروا به من الأغراض الدنيوية؛ لأن الضال خاسر دامر ، ولأنه لا يقال لمن لم يسلم له رأس ماله: قد ربح ، وما كانوا مهتدين لطرق التجارة كما يكون التجار المتصرفون العالمون بما يربح فيه ويخسر .