فإن قلت: فكيف جاز أن يوليهم الله مددًا في الطغيان وهو فعل الشياطين؟ ألا ترى إلى قوله تعالى: { وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ فِى الغى } [ الأعراف: 202 ] قلت: إما أن يحمل على أنهم لما منعهم الله ألطافه التي يمنحها المؤمنين ، وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم عليه ، بقيت قلوبهم بتزايد الرين والظلمة فيها ، تزايد الإنشراح والنور في قلوب المؤمنين فسمى ذلك التزايد مددًا . وأسند إلى الله سبحانه لأنه مسبب عن فعله بهم بسبب كفرهم . وإما على منع القسر والإلجاء وإما على أن يسند فعل الشيطان إلى الله لأنه بتمكينه وإقداره والتخلية بينه وبين إغواء عباده . فإن قلت: فما حملهم على تفسير المدّ في الطغيان بالإمهال وموضوع اللغة كما ذكرت لا يطاوع عليه؟ قلت: استجرّهم إلى ذلك خوف الإقدام على أن يسندوا إلى الله ما أسندوا إلى الشياطين لكن المعنى الصحيح ما طابقه اللفظ وشهد لصحته ، وإلا كان منه بمنزلة الأروى من النعام . ومن حق مفسر كتاب الله الباهر وكلامه المعجز ، أن يتعاهد في مذاهبه بقاء النظم على حسنه والبلاغة على كمالها وما وقع به التحدّي سليمًا من القادح ، فإذا لم يتعاهد أوضاع اللغة فهو من تعاهد النظم والبلاغة على مراحل . ويعضد ما قلناه قول الحسن في تفسيره: في ضلالتهم يتمادون ، وأن هؤلاء من أهل الطبع . والطغيان: الغلو في الكفر ، ومجاوزة الحدّ في العتوّ . وقرأ زيد بن علي Bه: { فِي طغيانهم } بالكسر وهما لغتان ، كلقيان ولقيان ، وغنيان وغنيان . فإن قلت: أي نكتة في إضافته إليهم؟ قلت: فيها أن الطغيان والتمادي في الضلالة مما اقترفته أنفسهم واجترحته أيديهم ، وأن الله برىء منه ردًّا لاعتقاد الكفرة القائلين: لو شاء الله ما أشركنا ، ونفيًا لو هم من عسى يتوهم عند إسناد المدّ إلى ذاته لو لم يضف الطغيان إليهم ليميط الشبه ويقلعها ويدفع في صدر من يلحد في صفاته . ومصداق ذلك أنه حين أسند المدّ إلى الشياطين ، أطلق الغيّ ولم يقيده بالإضافة في قوله: { وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ فِى الغى } [ الأعراف: 202 ] . والعمه: مثل العمى ، إلا أن العمى عامّ في البصر والرأي ، والعمه في الرأي خاصة ، وهو التحير والتردّد ، لا يدري أين يتوجه . ومنه قوله: بالجاهلين العمه ، أي الذين لا رأي لهم ولا دراية بالطرق . وسلك أرضًا عمهاء: لا منار بها .
ومعنى اشتراء الضلالة بالهدى: اختيارها عليه واستبدالها به ، على سبيل الاستعارة ، لأنّ الاشتراء فيه إعطاء بدل وأخذ آخر . ومنه:
أَخَذْتُ بالجُمَّةِ رَأْسًا أَزْعَرَا ... وبالثَّنَايَا الْوَاضِحَاتِ الدَّرْدَرَا
وبالطَّوِيلِ العُمْرِ عُمْرًا حَيْدَرَا ... كما اشْتَرَى المُسْلِمُ إذ تَنَصَّرَا
وعن وهب: قال الله D فيما يعيب به بني إسرائيل: «تفقهون لغير الدين ، وتعلمون لغير العمل ، وتبتاعون الدنيا بعمل الآخرة» . فإن قلت: كيف اشتروا الضلالة بالهدى وما كانوا على هدى؟ قلت: جعلوا لتمكنهم منه وإعراضه لهم كأنه في أيديهم ، فإذا تركوه إلى الضلالة فقد عطلوه واستبدلوها به ، ولأن الدين القيم هو فطرة الله التي فطر الناس عليها ، فكل من ضل فهو مستبدل خلاف الفطرة .