والاستهزاء: السخرية والاستخفاف ، وأصل الباب الخفة من الهزء وهو القتل السريع وهزأ يهزأ: مات على المكان . عن بعض العرب: مشيت فلغبت فظننت لأهزأنّ على مكاني . وناقته تهزأ به: أي تسرع وتخف . فإن قلت: لا يجوز الاستهزاء على الله تعالى ، لأنه متعال عن القبيح ، والسخرية من باب العيب والجهل . ألا ترى إلى قوله: { قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين } [ البقرة: 67 ] ، فما معنى استهزائه بهم؟ قلت: معناه إنزال الهوان والحقارة بهم ، لأنّ المستهزىء غرضه الذي يرميه هو طلب الخفة والزراية ممن يهزأ به ، وإدخال الهوان والحقارة عليه ، والاشتقاق كما ذكرنا شاهد لذلك . وقد كثر التهكم في كلام الله تعالى بالكفرة . والمراد به تحقير شأنهم وازدراء أمرهم ، والدلالة على أن مذاهبهم حقيقة بأن يسخر منها الساخرون ويضحك الضاحكون . ويجوز أن يراد به ما مر في { يخادعون } من أنه يجري عليهم أحكام المسلمين في الظاهر ، وهو مبطن بادخار ما يراد بهم ، وقيل: سمي جزاء الاستهزاء باسمه كقوله: { وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } [ الشورى: 40 ] ، { فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ } [ البقرة: 194 ] . فإن قلت: كيف ابتدىء قوله: { الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ } ولم يعطف على الكلام قبله . قلت: هو استئناف في غاية الجزالة والفخامة . وفيه أن الله D هو الذي يستهزىء بهم الاستهزاء الأبلغ ، الذي ليس استهزاؤهم إليه باستهزاء ولا يؤبه له في مقابلته ، لما ينزل بهم من النكال ويحل بهم من الهوان والذل . وفيه أن الله هو الذي يتولى الاستهزاء بهم انتقامًا للمؤمنين ، ولا يحوج المؤمنين أن يعارضوهم باستهزاء مثله . فإن قلت: فهلا قيل الله مستهزىء بهم ليكون طبقًا لقوله { إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ } قلت: لأن { يَسْتَهْزِىءُ } يفيد حدوث الاستهزاء وتجدده وقتًا بعد وقت ، وهكذا كانت نكايات الله فيهم وبلاياه النازلة بهم { أَوْ لاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ } [ التوبة: 126 ] وما كانوا يخلون في أكثر أوقاتهم من تهتك أستار وتكشف أسرار ، ونزول في شأنهم واستشعار حذر من أن ينزل فيهم { يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قُلْ استهزءوا إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ } [ التوبة: 64 ] . { وَيَمُدُّهُمْ فِي طغيانهم } من مدّ الجيش وأمده إذا زاده وألحق به ما يقويه ويكثره . وكذلك مدّ الداوة وأمدها: زادها ما يصلحها . ومددت السرج والأرض: إذا استصلحتهما بالزيت والسماد . ومده الشيطان في الغي وأمده: إذا واصله بالوساوس حتى يتلاحق غيه ويزداد إنهماكًا فيه . فإن قلت: لم زعمت أنه من المدد دون المد في العمر والإملاء والإمهال؟ قلت: كفاك دليلًا على أنه من المدد دون المد قراءة ابن كثير وابن محيصن: «ويمدّهم» ، وقراءة نافع: { وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ } [ الأعراف: 202 ] على أن الذي بمعنى أمهله إنما هو مدّ له مع اللام كأملى له .