فهرس الكتاب

الصفحة 270 من 3341

فإن قلت: كيف جاز انتصاب { أنثى } حالا من الضمير في وضعتها وهو كقولك وضعت الأنثى أنثى؟ قلت: الأصل: وضعته أنثى ، وإنما أنثى لتأنيث الحال؛ لأن الحال وذا الحال لشيء واحد ، كما أنث الاسم في ( ما كانت أمّك ) لتأنيث الخبر . ونظيره قوله تعالى: { فَإِن كَانَتَا اثنتين } [ النساء: 176 ] وأمّا على تأويل الحبلة أو النسمة فهو ظاهر ، كأنه قيل: إني وضعت الحبلة أو النسمة أنثى . فإن قلت: فلم قالت: إني وضعتها أنثى وما أرادت إلى هذا القول؟ قلت: قالته تحسرًا على ما رأت من خيبة رجائها وعكس تقديرها . فتحزنت إلى ربها لأنها كانت ترجو وتقدر أن تلد ذكرًا ، ولذلك نذرته محرّرًا للسدانة . ولتكلمها بذلك على وجه التحسر والتحزن قال الله تعالى: { والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } تعظيمًا لموضوعها وتجهيلا لها بقدر ما وهب لها منه . ومعناه: والله أعلم بالشيء الذي وضعت وما علق به من عظائم الأمور ، وأن يجعله وولده آية للعالمين وهي جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئًا . فلذلك تحسرت . وفي قراءة ابن عباس «والله أعلم بما وَضَعْتِ» على خطاب الله تعالى لها أي إنك لا تعلمين قدر هذا الموهوب وما علم الله من عظم شأنه وعلوّ قدره . وقرىء: «وضعت» . بمعنى: ولعلّ لله تعالى فيه سرًا وحكمة ، ولعلّ هذه الأنثى خير من الذكر تسلية لنفسها . فإن قلت: فما معنى قوله: { وَلَيْسَ الذكر كالانثى } ؟ قلت: هو بيان لما في قوله: { والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } من التعظيم للموضوع والرفع منه ، ومعناه: وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت لها ، واللام فيهما للعهد . فإن قلت: علام عطف قوله: { وَإِنّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ } ؟ قلت: هو عطف على إني وضعتها أنثى ، وما بينهما جملتان معترضتان ، كقوله تعالى: { وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ } [ الواقعة: 76 ] فإن قلت: فلم ذكرت تسميتها مريم لربها؟ قلت: لأن مريم في لغتهم بمعنى العابدة ، فأرادت بذلك التقريب والطلب إليه أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقًا لاسمها ، وأن يصدق فيها ظنها بها . ألا ترى كيف أتبعته طلب الإعاذة لها ولولدها من الشيطان وإغوائه . وما يروى من الحديث .

( 168 ) "ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهلّ صارخًا من مس الشيطان إياه ، إلا مريم وابنها"فالله أعلم بصحته . فإن صح فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها ، فإنهما كانا معصومين ، وكذلك كل من كان في صفتهما كقوله تعالى: { لاَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين } [ الحجر: 40 41 ] واستهلاله صارخًا من مسه تخييل وتصوير لطمعه فيه ، كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ويقول: هذا ممن أغويه ، ونحوه من التخييل قول ابن الرومي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت