فهرس الكتاب

الصفحة 2869 من 3341

ومنها لفظ الحجرات وإيقاعها كناية عن موضع خلوته . ومقيله مع بعض نسائه . ومنها: المرور على لفظها بالاقتصار على القدر الذي تبين به ما استنكر عليهم . ومنها: التعريف باللام دون الإضافة . ومنها: أن شفع ذمهم باستجفائهم واستركاك عقولهم وقلة ضبطهم لمواضع التمييز في المخاطبات ، تهوينا للخطب على رسول الله A ، وتسلية له ، وإماطة لما تداخله من إيحاش تعجرفهم وسوء أدبهم ، وهلم جرا: من أوّل السورة إلى آخرها هذه الآية ، فتأمّل كيف ابتدىء بإيجاب أن تكون الأمور التي تنتمي إلى ا لله ورسوله متقدّمة على الأمور كلها من غير حصر ولا تقييد ، ثم أردف ذلك النهي عما هو من جنس التقديم من رفع الصوت والجهر . كأن الأوّل بساط للثاني ووطأه لذكره ما هو ثناء على الذين تحاموا ذلك فغضوا أصواتهم ، دلالة على عظيم موقعه عند الله ، ثم جيء على عقب ذلك بما هو أطم وهجنته أتم: من الصياح برسول الله A في حال خلوته ببعض حرماته من وراء الجدر ، كما يصاح بأهون الناس قدرًا ، لينبه على فظاعة من أجروا إليه وجسروا عليه؛ لأنّ من رفع الله قدره على أن يجهر له بالقول حتى خاطبه جلة المهاجرين والأنصار بأخي السرار ، كان صنيع هؤلاء من المنكر الذي بلغ من التفاحش مبلغًا؛ ومن هذا وأمثاله يقتطف ثمر الألباب وتقتبس محاسن الآداب ، كما يحكى عن أبي عبيد ومكانه من العلم والزهد وثقة الرواية ما لا يخفى أنه قال: ما دققت بابا على عالم قط حتى يخرج من وقت خروجه { أَنَّهُمْ صَبَرُواْ } في موضع الرفع على الفاعلية؛ لأنّ المعنى: ولو ثبت صبرهم . والصبر: حبس النفس عن أن تنازع إلى هواها . قال الله تعالى: { واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم } [ الكهف: 28 ] وقولهم: صبر عن كذا ، محذوف منه المفعول ، وهو النفس ، وهو حبس فيه شدَّة ومشقة على المحبوس ، فلهذا قيل للحبس على اليمين أو القتل: صبر . وفي كلام بعضهم: الصبر مرّ لا يتجرّعه إلا حرّ . فإن قلت: هل من فرق بين { حتى تَخْرُجَ } وإلى أن تخرج؟ قلت: إنّ «حتى» مختصة بالغاية المضروبة . تقول: أكلت السمكة حتى رأسها ، ولو قلت: حتى نصفها ، أو صدرها: لم يجز ، و «إلى» عامّة في كل غاية ، فقد أفادت «حتى» بوضعها: أنّ خروج رسول الله A إليهم غاية قد ضربت لصبرهم ، فما كان لهم أن يقطعوا أمرًا دون الانتهاء إليه . فإن قلت: فأي فائدة في قوله: { إِلَيْهِمْ } ؟ قلت: فيه أنه لو خرج ولم يكن خروجه إليهم ولأجلهم ، للزمهم أن يصبروا إلى أن يعلموا أنّ خروجه إليهم { لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ } في ( كان ) إما ضمير فاعل الفعل المضمر بعد لو ، وإما ضمير مصدر { صَبَرُواْ } ، كقولهم: من كذب كان شرًا له { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } بليغ الغفران والرحمة واسعهما ، فلن يضيق غفرانه ورحمته عن هؤلاء إن تابوا وأنابوا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت