فهرس الكتاب

الصفحة 3101 من 3341

وحقيقة التفاوت: عدم التناسب ، كأن بعض الشيء يفوت بعضًا ولا يلائمه . ومنه قولهم: خلق متفاوت . وفي نقيضه: متناصف . فإن قلت: كيف موقع هذه الجملة مما قبلها؟ قلت: هي صفة مشايعة لقوله: { طِبَاقًا } وأصلها: ما ترى فيهنّ من تفاوت ، فوضع مكان الضمير قوله: { خَلْقِ الرحمن } تعظيمًا لخلقهنّ ، وتنبيهًا على سبب سلامتهنّ من التفاوت: وهو أنه خلق الرحمن ، وأنه بباهر قدرته هو الذي يخلق مثل ذلك الخلق المتناسب ، والخطاب في ما ترى للرسول أو لكل مخاطب . وقوله تعالى: { فارجع البصر } متعلق به على معنى التسبيب؛ أخبره بأنه لا تفاوت في خلقهنّ ، ثم قال: { فارجع البصر } حتى يصح عندك ما أخبرت به بالمعاينة ، ولا تبقى معك شبهة فيه { هَلْ ترى مِن فُطُورٍ } من صدوع وشقوق: جمع فطر وهو الشق . يقال: فطره فانفطر . ومنه: فطر ناب البعير ، كما يقال: شق وبزل . ومعناه: شق اللحم فطلع . وأمره بتكرير البصر فيهنّ متصفحًا ومتتبعًا يلتمسُ عيبًا وخللًا { يَنقَلِبْ إِلَيْكَ } أي إن رجعت البصر وكررت النظر لم يرجع إليك بصرك بما التمسته من رؤية الخلل وإدراك العيب ، بل يرجع إليك بالخسوء والحسور ، أي: بالبعد عن إصابة الملتمس ، كأنه يطرد عن ذلك طردًا بالصغار والقماءة ، وبالإعياء والكلال لطول الإجالة والترديد . فإن قلت: كيف ينقلب البصر خاسئًا حسيرًا برجعه كرّتين اثنتين؟ قلت: معنى التثنية التكرير بكثرة ، كقولك: لبيك وسعديك ، تريد إجابات كثيرة بعضها في أثر بعض ، وقولهم في المثل: دهدرّين سعد القين من ذلك ، أي: باطلًا بعد باطل . فإن قلت: فما معنى ثم ارجع؟ قلت: أمره برجع البصر ، ثم أمره بأن لا يقتنع بالرجعة الأولى وبالنظرة الحمقاء ، وأن يتوقف بعدها ويجم بصره ، ثم يعاود ويعاود ، إلى أن يحسر بصره من طول المعاودة ، فإنه لا يعثر على شيء من فطور .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت