وقيل: هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان ، لأنّ تقليلهم سواد المسلمين بالانخذال تقوية للمشركين { يَقُولُونَ بأفواههم } لا يتجاوز إيمانهم أفواههم ومخارج الحروف منهم ولا تعي قلوبهم منه شيئًا . وذكر الأفواه مع القلوب تصوير لنفاقهم ، وأنّ إيمانهم موجود في أفواههم معدوم في قلوبهم ، خلاف صفة المؤمنين في مواطأة قلوبهم لأفواههم { والله أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ } من النفاق . وبما يجري بعضهم مع بعض من ذمّ المؤمنين وتجهيلهم وتخطئة رأيهم والشماتة بهم وغير ذلك ، لأنكم تعلمون بعض ذلك علمًا مجملًا بأمارات ، وأنا أعلم كله علم إحاطة بتفاصيله وكيفياته { الذين قَالُواْ } في إعرابه أوجه: أن يكون نصبًا على الذمّ أو على الردّ على الذين نافقوا ، أو رفعًا على هم الذين قالوا أو على الإبدال من واو يكتمون . ويجوز أن يكون مجرورًا بدلًا من الضمير في بأفواههم أو قلوبهم ، كقوله:
عَلَى جُودِهِ لَضَنَّ بِالماءِ حَاتِمُ ... { لإخوانهم } لأجل إخوانهم من جنس المنافقين المقتولين يوم أحد أو إخوانهم في النسب وفي سكنى الدار { وَقَعَدُواْ } أي قالوا وقد قعدوا على القتال: لو أطاعنا إخواننا فيما أمرناهم به من القعود ووافقونا فيه لما قتلوا كما لم نقتل { قُلْ فَادْرَءوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صادقين } معناه: قل إن كنتم صادقين في أنكم وجدتم إلى دفع القتل سبيلًا وهو القعود عن القتال ، فجدوا إلى دفع الموت سبيلًا ، يعني أن ذلك الدفع غير مغن عنكم ، لأنكم إن دفعتم القتل الذي هو أحد أسباب الموت ، لم تقدروا على دفع سائر أسبابه المبثوثة ، ولا بد لكم من أن يتعلق بكم بعضها . وروي: أنه مات يوم قالوا هذه المقالة سبعون منافقًا . فإن قلت: فقد كانوا صادقين في أنهم دفعوا القتل عن أنفسهم بالقعود ، فما معنى قوله: { إِن كُنتُمْ صادقين } ؟ قلت: معناه أن النجاة من القتل يجوز أن يكون سببها القعود عن القتال وأن يكون غيره ، لأن أسباب النجاة كثيرة ، وقد يكون قتال الرجل سبب نجاته ولو لم يقاتل لقتل ، فما يدريكم أن سبب نجاتكم القعود وأنكم صادقون في مقالتكم؟ وما أنكرتم أن يكون السبب غيره . ووجه آخر: إن كنتم صادقين في قولكم: لو أطاعونا وقعدوا ما قتلوا ، يعني أنهم لو أطاعوكم وقعدوا لقتلوا قاعدين كما قتلوا مقاتلين . وقوله: { فَادْرَءوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ } استهزاء بهم ، أي إن كنتم رجالًا دفاعين لأسباب الموت ، فادرؤا جميع أسبابه حتى لا تموتوا .