فهرس الكتاب

الصفحة 520 من 3341

على أنّ البادي عليه إثم سبه ، ومثل إثم سب صاحبه؛ لأنه كان سببًا فيه ، إلا أن الإثم محطوط عن صاحبه معفوّ عنه ، لأنه مكافىء مدافع عن عرضه . ألا ترى إلى قوله: ( ما لم يعتد المظلوم ) لأنه إذا خرج من حدّ المكافأة واعتدى لم يسلم . فإن قلت: فحين كف هابيل عن قتل أخيه واستسلم وتحرج عما كان محظورًا في شريعته من الدفع ، فأين الإثم حتى يتحمل أخوه مثله فيجتمع عليه الإثمان؟ قلت: هو مقدّر فهو يتحمل مثل الإثم المقدّر ، كأنه قال: إني أريد أن تبوء بمثل إثمي لو بسطت يدي إليك . وقيل: ( بإثمي ) بإثم قتلي ( وإثمك ) الذي من أجله لم يتقبل قربانك فإن قلت: فكيف جاز أن يريد شقاوة أخيه وتعذيبه النار؟ قلت: كان ظالمًا وجزاء الظالم حسن جائز أن يراد . ألا ترى إلى قوله تعالى: { وَذَلِكَ جَزَاء الظالمين } وإذا جاز أن يريده الله ، جاز أن يريده العبد؛ لأنه لا يريد إلا ما هو حسن . والمراد بالإثم وبال القتل وما يجره من استحقاق العقاب ، فإن قلت: لم جاء الشرط بلفظ الفعل والجزاء بلفظ اسم الفاعل وهو قوله: { لَئِن بَسَطتَ . . . . مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ } ؟ قلت: ليفيد أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع . ولذلك أكده بالباء المؤكدة للنفي ، { فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ } فوسعته له ويسرته ، من طاع له المرتع: إذا اتسع . وقرأ الحسن: «فطاوعت» . وفيه وجهان: أن يكون مما جاء من فاعل بمعنى فعل ، وأن يراد أنّ قتل أخيه كأنه دعا نفسه إلى الإقدام عليه فطاوعته ولم تمتنع ، وله لزيادة الربط كقولك: حفظت لزيد ماله . وقيل: قتل وهو ابن عشرين سنة ، وكان قتله عند عقبة حراء ، وقيل: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم { فَبَعَثَ الله غُرَابًا } روي: أنه أوّل قتيل قتل على وجه الأرض من بني آدم . ولما قتله تركه بالعراء لا يدري ما يصنع به ، فخاف عليه السباع فحمله في جراب على ظهره سنة حتى أروح وعكفت عليه السباع ، فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر ، فحفر له بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة { قَالَ ياويلتا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب } ويروى أنه لما قتله اسودّ جسده وكان أبيض ، فسأله آدم عن أخيه فقال: ما كنت عليه وكيلًا ، فقال: بل قتلته ولذلك اسودِّ جسدك . وروي أن آدم مكث بعد قتله مائة سنة لا يضحك وأنه رثاه بشعر ، وهو كذب بحت ، وما الشعر إلا منحول ملحون . وقد صحّ أن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الشعر . { لِيُرِيَهُ } ليريه الله . أو ليريه الغراب ، أي ليعلمه؛ لأنه لما كان سبب تعليمه ، فكأنه قصد تعليمه على سبيل المجاز { سَوْءَةَ أَخِيهِ } عورة أخيه وما لا يجوز أن ينكشف من جسده .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت