فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 3341

فاقتضت الحال أن ينادوا بالآكد الأبلغ . فإن قلت: لا يخلو الأمر بالعبادة من أن يكون متوجهًا إلى المؤمنين والكافرين جميعًا ، أو إلى كفار مكة خاصة ، على ما روي عن علقمة والحسن ، فالمؤمنون عابدون ربهم فكيف أمروا بما هم ملتبسون به؟ وهل هو إلا كقول القائل:

فلَو أنِّي فعلت كُنْتُ مَنْ ... تَسْأَلُهُ وهُوَ قائمٌ أنْ يَقُوما

وأما الكفار فلا يعرفون الله ، ولا يقرّون به فكيف يعبدونه؟ قلت: المراد بعبادة المؤمنين: ازديادهم منها وإقبالهم وثباتهم عليها . وأما عبادة الكفار فمشروط فيها ما لا بدلها منه وهو الإقرار ، كما يشترط على المأمور بالصلاة شرائطها من الوضوء والنية وغيرهما وما لا بد للفعل منه ، فهو مندرج تحت الأمر به وإن لم يذكر ، حيث لم ينفعل إلا به ، وكان من لوازمه . على أنّ مشركي مكة كانوا يعرفون الله ويعترفون به { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله } [ الزخرف: 87 ] . فإن قلت: فقد جعلت قوله { اعبدوا } متناولًا شيئين معًا: الأمر بالعبادة ، والأمر بازديادها . قلت: الازدياد من العبادة عبادة وليس شيئًا آخر . فإن قلت: { رَبَّكُمُ } ما المراد به؟ قلت: كان المشركون معتقدين ربوبيتين: ربوبية الله ، وربوبية آلهتهم . فإن خصوا بالخطاب فالمراد به اسم يشترك فيه رب السموات والأرض والآلهة التي كانوا يسمونها أربابًا وكان قوله: { الذى خَلَقَكُمْ } صفة موضحة مميزة . وإن كان الخطاب للفرق جميعًا ، فالمراد به «ربكم» على الحقيقة . والذي خلقكم: صفة جرت عليه على طريق المدح والتعظيم . ولا يمتنع هذا الوجه في خطاب الكفرة خاصة ، إلا أن الأول أوضح وأصح . والخلق: إيجاد الشيء على تقدير واستواء . يقال: خلق النعل ، إذا قدره وسواها بالمقياس . وقرأ أبو عمرو: { خَلَقَكُمْ } بالإدغام . وقرأ ابن السميفع: وخلق من قبلكم . وفي قراءة زيد بن علي: ( والذين مِن قَبْلِكُمْ ) وهي قراءة مشكلة ، ووجهها على إشكالها أن يقال: أقحم الموصول الثاني بين الأول وصلته تأكيدًا ، كما أقحم جرير في قوله:

يا تَيْمُ تَيْمَ عَدِيٍّ لا أَبَالَكُمُ ... تيما الثاني بين الأول وما أضيف إليه ، وكإقحامهم لام الإضافة بين المضاف والمضاف إليه في: لا أبالك: ولعل للترجي أو الإشفاق . تقول: لعل زيدًا يكرمني . ولعله يهينني . وقال الله تعالى: { لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى } [ طه: 44 ] ، { لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ } [ الشورى: 17 ] . ألا ترى إلى قوله: { والذين ءامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا } [ الشورى: 18 ] . وقد جاءت على سبيل الإطماع في مواضع من القرآن ، ولكن لأنه إطماع من كريم رحيم ، إذا أطمع فعل ما يطمع فيه لا محالة ، لجري إطماعه مجرى وعده المحتوم وفاؤه به .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت