« لو كان الإيمان معلقًا بالثريا لناله رجال من أبناء فارس » { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } محبة العباد لربهم طاعته وابتغاء مرضاته ، وأن لا يفعلوا ما يوجب سخطه وعقابه ، ومحبة الله لعباده أن يثيبهم أحسن الثواب على طاعتهم ويعظمهم ويثني عليهم ويرضى عنهم: وأما ما يعتقده أجهل الناس وأعداهم للعلم وأهله وأمقتهم للشرع وأسوأهم طريقة ، وإن كانت طريقتهم عند أمثالهم من الجهلة والسفهاء شيئا ، وهم الفرقة المفتعلة المتفعلة من الصوف ، وما يدينون به من المحبة والعشق ، والتغني على كراسيهم خربها الله ، وفي مراقصهم عطلها الله ، بأبيات الغزل المقولة في المردان الذين يسمونهم شهداء ، وصعقاتهم التي أين عنها صعقة موسى عند دكّ الطور ، فتعالى الله عنه علوًا كبيرًا ، ومن كلماتهم: كما أنه بذاته يحبهم كذلك يحبون ذاته ، فإنّ الهاء راجعة إلى الذات دون النعوت والصفات . ومنها: الحب شرطه أن تلحقه سكرات المحبة ، فإذا لم يكن ذلك لم تكن فيه حقيقة . فإن قلت: أين الراجع من الجزاء إلى الاسم المتضمن لمعنى الشرط؟ قلت: هو محذوف معناه: فسوف يأتي الله بقوم مكانهم أو بقوم غيرهم ، أو ما أشبه ذلك { أَذِلَّةٍ } جمع ذليل . وأما ذلول فجمعه ذلل . ومن زعم أنه من الذلّ الذي هو نقيض الصعوبة ، فقد غبى عنه أن ذلولًا لا يجمع على أذلة . فإن قلت: هلا قيل أذلة للمؤمنين أعزة على الكافرين؟ قلت: فيه وجهان ، أحدهما أن يضمن الذلّ معنى الحنوّ والعطف كأنه قيل: عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع . والثاني: أنهم مع شرفهم وعلو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم . ونحوه قوله عزّ وجلّ: { أَشِدَّاء عَلَى الكفار رُحَمَاء بَيْنَهُمْ } [ الفتح: 29 ] وقرىء: أذلة وأعزة بالنصب على الحال { وَلاَ يخافون لَوْمَةَ لائِمٍ } يحتمل أن تكون الواو للحال ، على أنهم يجاهدون وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين ، فإنهم كانوا موالين لليهود - لعنت - فإذا خرجوا في جيش المؤمنين خافوا أولياءهم اليهود ، فلا يعملون شيئًا مما يعلمون أنه يلحقهم فيه لوم من جهتهم . وأمّا المؤمنون فكانوا يجاهدون لوجه الله لا يخافون لومة لائم قط . وأن تكون للعطف ، على أن من صفتهم المجاهدة في سبيل الله ، وأنهم صلاب في دينهم ، إذا شرعوا في أمر من أمور الدين إنكار منكر أو أمر بمعروف ، مضوا فيه كالمسامير المحماة ، لا يرعبهم قول قائل ولا اعتراض معترض ولا لومة لائم ، يشقّ عليه جدهم في إنكارهم وصلابتهم في أمرهم . واللومة: المرّة من اللوم ، وفيها وفي التنكير مبالغتان كأنه قيل: لا يخافون شيئًا قط من لوم أحد من اللوام . و { ذلك } إشارة إلى ما وصف به القوم من المحبة والذلة والعزة والمجاهدة وانتفاء خوف اللومة { يُؤْتِيهُ } يوفق له { مَن يَشَآءُ } ممن يعلم أنّ له لطفًا { واسع } كثير الفواضل والألطاف { عَلِيمٌ } بمن هو من أهلها .