فهرس الكتاب

الصفحة 755 من 3341

والدليل على أن المراد بالصراط سبيل الحق قوله: { وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } ومحل { تُوعَدُونَ } وما عطف عليه: النصب على الحال أي: ولا تقعدوا موعدين وصادّين عن سبيل الله ، وباغيها عوجًا . فإن قلت: صراط الحق واحد ، { وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ } [ الأنعام: 153 ] فكيف قيل: بكل صراط؟ قلت: صراط الحق واحد ، ولكنه يتشعب إلى معارف وحدود وأحكام كثيرة مختلفة ، فكانوا إذا رأوا أحدًا يشرع في شيء منها أوعدوه وصدّوه . فإن قلت؛ إلام يرجع الضمير في { ءَامَنَ بِهِ } ؟ قلت: إلى كل صراط . تقديره: توعدون من آمن به وتصدّون عنه ، فوضع الظاهر الذي هو سبيل الله موضع الضمير ، زيادة في تقبيح أمرهم ، ودلالة على عظم ما يصدّون عنه . وقيل: كانوا يجلسون على الطرق والمراصد فيقولون لمن مر بهم إنَّ شعيبًا كذاب فلا يفتنكم عن دينكم كما كان يفعل قريش بمكة . وقيل: كانوا يقطعون الطرق . وقيل: كانوا عَشَّارين { وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا } وتطلبون لسبيل الله عوجًا ، أي تصفونها للناس بأنها سبيل معوجة غير مستقيمة ، لتصدّوهم عن سلوكها والدخول فيها: أو يكون تهكمًا بهم ، وأنهم يطلبون لها ما هو محال ، لأن طريق الحق لا يعوج { واذكروا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا } إذ مفعول به غير ظرف . أي: واذكروا على جهة الشكر وقت كونكم قليلًا عددكم { فَكَثَّرَكُمْ } الله ووفر عددكم . قيل: إن مدين بن إبراهيم تزوّج بنت لوط فولدت فرمى الله في نسلها بالبركة والنماء فكثروا وفشوا . ويجوز إذ كنتم مقلين فقراء فكثركم: فجعلكم مكثرين موسرين . أو كنتم أقلة أذلة فأعزكم بكثرة العدد والعدد { عاقبة المفسدين } آخر أمر من أفسد قبلكم من الأمم ، كقوم نوح وهود وصالح ولوط ، وكانوا قريبي العهد مما أصاب المؤتفكة { فاصبروا } فتربصوا وانتظروا { حتى يَحْكُمَ الله بَيْنَنَا } أي بين الفريقين ، بأن ينصر المحقين على المبطلين ويظهرهم عليهم . وهذا وعيد للكافرين بانتقام الله منهم ، كقوله: { فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبّصُونَ } [ التوبة: 52 ] أو هو عظة للمؤمنين وحثّ على الصبر واحتمال ما كان يلحقهم من أذى المشركين إلى أن يحكم الله بينهم وينتقم لهم منهم . ويجوز أن يكون خطابًا للفريقين ، أي ليصبر المؤمنون على أذى الكفار وليصبر الكفار على ما يسوءهم من إيمان من آمن منهم ، حتى يحكم الله فيميز الخبيث من الطيب { وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين } لأنّ حكمه حق وعدل ، لا يخاف فيه الحيف .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت