{ قرآنًا عَرَبِيًّا } [ يوسف: 2 ] . فإن قلت: فما بالها مكتوبة في المصحف على صور الحروف أنفسها ، لا على صور أساميها؟ قلت: لأنّ الكلم لما كانت مركبة من ذوات الحروف ، واستمرّت العادة متى تهجيت ومتى قيل للكاتب: اكتب كيت وكيت أن يلفظ بالأسماء وتقع في الكتابة الحروف أنفسها ، عمل على تلك الشاكلة المألوفة في كتابة هذه الفواتح . وأيضًا فإن شهرة أمرها ، وإقامة ألسن الأسود والأحمر لها ، وأنّ اللافظ بها غير متهجاة لا يحلى بطائل منها ، وأنّ بعضها مفرد لا يخطر ببال غير ما هو عليه من مورده: أمنت وقوع اللبس فيها ، وقد اتفقت في خط المصحف أشياء خارجة عن القياسات التي بني عليها علم الخط والهجاء؛ ثم ما عاد ذلك بضير ولا نقصان؛ لاستقامة اللفظ وبقاء الحفظ ، وكان أتباع خط المصحف سنة لا تخالف . قال عبد الله بن درستويه في كتابه: المترجم بكتاب الكتاب المتمم: في الخط والهجاء خطان لا يقاسان: خط المصحف ، لأنه سنة ، وخط العروض؛ لأنه يثبت فيه ما أثبته اللفظ ويسقط عنه ما أسقطه . الوجه الثاني: أن يكون ورود هذه الأسماء هكذا مسرودة على نمط التعديد كالإيقاظ وقرع العصا لمن تحدّى بالقرآن وبغرابة نظمه؛ وكالتحريك للنظر في أن هذا المتلو عليهم وقد عجزوا عنه عن آخرهم كلام منظوم من عين ما ينظمون منه كلامهم ليؤديهم النظر إلى أن يستيقنوا أن لم تتساقط مقدرتهم دونه ، ولم تظهر معجزتهم عن أن يأتوا بمثله بعد المراجعات المتطاولة ، وهم أمراء الكلام وزعماء الحوار ، وهم الحرّاص على التساجل في اقتضاب الخطب ، والمتهالكون على الافتنان في القصيد والرجز ، ولم يبلغ من الجزالة وحسن النظم المبالغ التي بزت بلاغة كل ناطق ، وشقت غبار كل سابق ، ولم يتجاوز الحدّ الخارج من قوى الفصحاء ، ولم يقع وراء مطامح أعين البصراء؛ إلا لأنه ليس بكلام البشر ، وأنه كلام خالق القوى والقدر . وهذا القول من القوة والخلاقة بالقبول بمنزل ، ولناصره على الأوّل أن يقول: إن القرآن إنما نزل بلسان العرب مصبوبًا في أساليبهم واستعمالاتهم ، والعرب لم تتجاوز ما سموا به مجموع اسمين ، ولم يسم أحد منهم بمجموع ثلاثة أسماء وأربعة وخمسة ، والقول بأنها أسماء السور حقيقة: يخرج إلى ما ليس في لغة العرب ، ويؤدّي أيضًا إلى صيرورة الاسم والمسمى واحدًا . فإن اعترضت عليه بأنه قول مقول على وجه الدهر وأنه لا سبيل إلى ردّه ، أجابك بأن له محملًا سوى ما يذهب إليه ، وأنه نظير قول الناس: فلان يروي: قفا نبك ، وعفت الديار . ويقول الرجل لصاحبه: ما قرأت؟ فيقول: { الحمد للَّهِ } و { بَرَاءةٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ } [ التوبة: 1 ] و { يُوصِيكُمُ الله فِى أولادكم } [ النساء: 11 ] و